كتب عباس دشتي:
شارك في مؤتمر «العولمة والدين والقيم التقليدية» المنعقد حاليا في العاصمة الاذربيجانية «باكو» اكثر من 200 شخصية عالمية من رؤساء المنظمات الاسلامية وكبار الكنائس المسيحية والجاليات اليهودية والبوذية وممثلي التقاليد الهندوسية والسيخية والثنوية.
وناقش المؤتمرون في افتتاح المؤتمر الثقافات والبحث عن افضل السبل للتوصل الى النظام العالمي السلمي العادل والتغلب على التهديدات القائمة واعطاء دفعة جديدة للحوار بين الاديان المختلفة في هذه الظروف الحساسة.
والقى السيد ابو القاسم الديباجي الامين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي حكمة اشار فيها الى المبادرة النبيلة المسؤولة التي اطلقها - مجلس الاديان في اتحاد الجمهورية المستقلة لانعقاد مؤتمر «العولمة والدين والقيم التقليدية» بمشاركة جمع من ابرز علماء الاديان العالمية والثقافات المختلفة والمهتمين بالحوار من مختلف اتباع الرسالات الآلهية من اجل تحقيق السلام العالمي والتوافق والوئام الانساني، ومن اجل انسان منفتح ومتنور يستند الي الاسس والاخلاق الكونية والانسانية والدينية المشتركة النابعة من خالق واحد للبشر والوجود برمته ومن اجل انقاذ المجتمعات الانسانية من الضياع والحفاظ على نواته الاساسية.
مضيفا ان رسالة المؤتمر من اسمى الرسالات والغايات التي نحتاجها في زمننا هذا الذي كثرت فيه المحاولات المتواصلة لتوسيع الهوة بين المسلمين وغير المسلمين عن طريق تحريف الدين الاسلامي المعتدل الذي يدعو للسلام والتسامح وتشجيع البعض على العمليات الانتحارية ضد المدنين والصاق صفة ارهابي لكل ما هو مسلم وكذلك محاولات تفريق وتشتيت وحدة صف المسلمين بإثارة النعرات الطائفية والصراعات المذهبية، لكن وعن طريق مثل هذه المبادرات الكريمة وانعقاد مثل هذه المؤتمرات التي تجمع ممثلي جميع الديانات والثقافات على مائدة حوار واحدة يكون السبيل الوحيد الذي يمكننا عن طريقه من ان نبارز ونكافح جميع الافكار الخاطئة التي تحركت لإثارة فتنة الاختلافات المذهبية.
واضاف الديباجي: النقطة القابلة للتقدير والاحترام عند الجميع هي ان هذه المؤتمرات ستحدد مصير اجيال المستقبل واولادنا وتكون لهم نموذجا وقدوة، والتاريخ سيصدر الحكم في اصلها وآثارها القيمة، واما الآن وعن «العولمة والدين والقيم التقليدية» قال انه وفق الاحصائيات تبلغ نسبة المسلمين في العالم تقريبا %23 من عدد سكان العالم فهل يمكن ان ننعزل كمسلمين عن نسبة الـ %77 الباقية من سكان العالم الذين يمثلون الديانات والمذاهب والثقافات الاخرى؟! هل نستطيع ان نرفض الاستفادة من علمهم وعلومهم وان نفيدهم من علمنا وعلومنا؟ هل يمكن الا يكون بيننا وبينهم تبادل تجاري واقتصادي وحركات بيع وشراء؟ هل نستطيع الا نشتري دواء ما فقط لان صانعيه من غير المسلمين؟ بالطبع لا فمما لا شك فيه ان الدين الاسلامي دين متفتح لا يأبى تقبل ثقافة ما فقط لكونها ثقافة اجنبية او من اتباع ملل او ديانات او ثقافات اخرى مؤكداً ان الدين الاسلامي حث على النظر فيها ودراستها ومراجعتها ويمكن ان نأخذ منها ما يعود بالنفع.
وتابع: العولمة نظام اقتصادي وسياسي وثقافي عالمي له تأثير كبير على الدين كالفكر والثقافة والفقه والاخلاق فالعلاقة بين الدين والعولمة يمكن ان تكون طردية في جوانب وعكسية في جوانب اخرى، فمن اوضح معالم العولمة هو الثورة المعلوماتية خصوصا في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية التي ادت الى ظهور حاجات لم تكن معهودة.
وقال ان الاسلام برؤيته المبنية على الاختلاف والتنوع والتعدد والتعارف كان ممن تعامل مع العولمة، وتراوحت ردود افعاله بين القبول والتسليم والرفض والتنافر ولكن من المفارقات بين نظام العولمة والدين ان القيم الدينية تقوم على مبدأ الاحسان والبر بينما قيم العولمة بنيت على اساس عدم وجود مجال لهذا الاحسان والغاء القيم الدينية واقرار قيم خاصة بها، والتي تبنى على المنفعة الشخصية والمكاسب المادية والاستغلال والعمل على استنفاذ موارد الدول الفقيرة والضعيفة وعلى الرغم من نجاح العولمة في التطور التكنولوجي الذي استطاعت به السيطرة على حواس ورغبات البشر الا انها قد فشلت تماما في تنمية الوعي الديني الروحي لدى معتنقيها الحقيقيين، وعلى هذا فالدين الاسلامي سيظل دين العالمية الذي يعمل دائما على اشباع جميع الرغبات والاحتياجات الانسانية الروحية والمادية بقدر متناسب ومتوازن بين هذه الاحتياجات ويرفض الهيمنة والسيطرة التي تمارسها انظمة العولمة ويضع مصلحة الجميع امامه لا مصلحة الافراد فقط، لذلك من يرد الاخذ بنظام العولمة يتوجب عليه اولا ان يتبع ما جاء في الاديان السماوية من قيم ومبادئ ثم بعد ذلك يقبل ما يتفق مع تلك المبادئ والقيم الدينية ويرفض ما ترفضه فالتخلي عن أي من القيم الدينية يؤدي الى تدني وزوال الحضارات لأن الامم اذا فقدت هذا الايمان تتعرض قيمها للجدل والشك وسرعان ما تفنى وتتلاشى.
وزاد السيد الديباجي: ان الله تبارك وتعالى قيد الموعظة بالحسنة وقيد الجدال بالاحسن للتحذير من المكابرة وسوء التعبير واللجاج مما يزيد في تهييج الآخرين على الرد والعناد وللحث على التعاون والتفاهم مما يدعو الى المحبة والسلم والسلام، وبرأيي الاساس الثابت هو عدم الاكتفاء بأحكام الدين بل الاهتمام بأهداف الدين، اهداف الدين هي غايات الدين واحكام الدين هي مقدمات للوصول الى تلك الغايات.
لذا يجب ان يكون دوما للمقدمات كيفية حتى تنتهي الى الاهداف، والآن لنر ما اهداف الدين؟ الهدف من الدين الاحمدي هو احياء القيم الانسانية والذي صرح به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حديثه حيث قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق.
واختتم السيد الديباجي كلمته مطالبا الجميع بأن يحسوا أنهم اعضاء لجسد واحد وسرورهم وسعادتهم ترتبط ببعضهم البعض وبنعم الله على الكرة الارضية، وان كل ما لا نجيزه لأنفسنا لا نجيزه ايضا للآخرين وان على الجميع تقديم المروءة وتجنب العنف واحترام الصلح والامان، والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وجعل الحق والشفقة والانصاف في جميع الاحوال شعارا، وألا نسمح للاختلاف في التقاليد والثقافات ان تتبدل الى اختلاف مذهبي ونتنازع باسم الله ورسوله ونتشاجر مع بعضنا البعض ويوماً عن يوم نبتعد اكثر باسم احكام الشريعة عن اهداف الشريعة.