و تطور العلوم والفنون والتكنولوجيا في السنوات الألف الاخيرة لا يمكن وصفه بتغيير كمّي وإنما يجب الحديث عن تغيير الكيفي . نظير هذه التغيّرات والتحوّلات ظهرت ايضاً في الأذهان والأفكار . وصلت الارتباطات الى حدّ أن أعقاب الاهتزازات لأي حادثة مهمة تقع في أي زاوية من زوايا الدنيا يُحسُّ فيها في جميع أنحاء الدنيا . آلات وادوات الحرب الجديدة ليس لها حدّ ، واخطاء القادة السياسية في العالم من الممكن أن تجر العالم الى الموت والفناء . وبهذا التناسب ، كما أشرنا ، الآلام البشرية أيضاً اصبحت عالمية . وقسم واسع من الناس في الدنيا حرّموا من الصلح والامان .والجيران ينظر بعضهم الى البعض بخوف وسوء ظن . والرجال والنساء أصبحوا غرباء بعضهم الى البعض . والأطفال يموتون من قلة الطعام والدواء . الفقر والجوع سلبا الحياة الانسانية والمشرّفة من كثير من أهل الدنيا . وأصبحت العدالة القضائية والاجتماعية سرابٌ في الكثير من نقاط العالم . والحقد والعنف منتشرة في كل مكان . الحروب الدينية والمذهبية والقومية وصراع الثقافات يومياً تحصد ضحايا . وأصبح العناد والهرج والمرج والدمار من يوميات الشعوب في كثير من البلدان . في مثل هذه الشرائط ، الحديث عن التصادم بين المذاهب والاختلاف ونفي إمكانية المرابطة والمفاهمة بينها يعتبر جنوناً . اذا حصل هذا التصادم ، فإنه لن يظل أي أحد في أرقى وأهدأ نواحي الغرب بعيد عن آثاره المشؤومة والمخرّبة . اليوم الحوار والتقريب بين الأديان الالهية و اصحاب الثقافات المختلفة ليس في زمرة التجمّلات بل هو ضرورةٌ حياتية . منذ سنة 1950 وبعدها ، سعت منطقتي الشرق والغرب بالتهديد بالأسلحة النووية الى عدم التعدّى على الآخر ، واصطلاحاً أقاما نوعاً من توازن الوحشة . ولكن الآن تغيّرت المعادلة . فالاختلاف ليس بين قوتين عظيمتين بحيث بالمقاومة والصبر يمنعون من تبديله الى حرب عالمية وإنما هو اختلاف بين الثقافات المتعددة والمتنوعة بحيث يريد الجميع الحصول على مكانة مناسبة ولائقة في ساحة العالم والتي حقّاً يعتبرونها من انفسهم . ومن جهة أخرى ، يواجه الجميع أخطار بحيث اذا لم يجهّز لها بالاتفاق ولم يحسن النيّة في مواجهتها ولم يجتمع الجميع ويلتقي مع بعضهم البعض ، فسوف يقضى على الجميع وأحد هذه الاخطار ونموذج بارز لها خطر تخريب وانهدام البيئة والذي اذا لم نفكر ولم نجد له طريقة لمنعه فسوف يسوق الجميع الى الشقاء والأمراض والموت ولن يفرّق بين الغني والفقير. وأما الحوار بين الأديان و الثقافات هو الطريق والمنهاج الوحيد الذي يستطيع الاستفادة من حسّ المسئولية والقيم الاساسية والمشتركة والتي هي هدف الدين الاسلامي وتوجد في جميع الاديان العظيمة العالمية بعنوان الاخلاق العالمية والقيم الانسانية . كما نرى في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ، الحوار بينه وبين نصارى نجران بل أجاز لهم ولم يمنعهم أن يضربوا الناقوس وأن يصلّوا في المسجد . كما نقله المفسّر الكبير العلامة السيد الطباطبائي في تفسير الميزان (ج3/228) أن نصارى نجران لمّا وفدوا على رسول الله (ص) وحضرت صلاتهم فأقبلوا يضربون الناقوس وصلّوا فقال أصحابه : يا رسول الله هذا في مسجدك ؟! فقال (ص) : دعوهم !! فالنبي (ص) هو اول من أسس هذا الاساس في الاسلام وفتح باب المناظرة والحوار وتبادل الأفكار والأقوال لتحصيل أفضلها وأرشدها واتباع أحسنها في إصابة الحق لأنّ القرآن الكريم الذي هو أفضل منبع للأصول الأخلاقية يقول " وبشّر عبادِ الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه " (الزمر/18) وأيضا يقول " ادعُ الى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسنُ "(النحل/125). إن الله تبارك وتعالى قيّد الموعظة بالحسنة وقيّد الجدال بالأحسن للتحذير عن المكابرة وسوء التعبير واللجاج مما يزيد في تهييج الآخرين على الرد والعناد وللتحريص على التعاون والتفاهـم مما يدعو الى المحبّة والسلم والسلام . وبرأيي الأساس الثابت هو عدم الاكتفاء بأحكام الدين بل الاهتمام بأهداف الدين ، أهداف الدين هي غايات الدين وأحكام الدين هي مقدمات للوصول الى تلك الغايات. اذاً يجب أن يكون دوماً للمقدمات كيفية حتى تنتهي الى الأهداف . والآن لنر ما هي أهداف الدين ؟ الهدف من الدين الأحمدي هو إحياء القيم الانسانية والذي صرّح به رسول الله (ص) في حديثه حيث قال : اني بعثت لأتمم مكارم الأخلاق . يجب تعميق وترسيخ الشيء الذي ذكر في البيان العالمي لحقوق البشر بعنوان حق كل انسان ، على أساس المشتركات الدينية والأخلاقية والثقافية مع أهل سائر الأديان والثقافات . الأخلاق العالمية قائمة على الأركان الاربعة التالية : 1- ثقافة الترابط والعدالة الاجتماعية والاقتصادية . 2- ثقافة عدم العنف واحترام كل نوع من الحياة . 3- ثقافة التسامح والصدق. 4- ثقافة الحقوق المساوية لجميع الناس . التعهد على هذه الاركان ليس بمعنى أن نخطئ ونقول احترام الحرية هو احترام للاستهتار ، وليس بمعنى أننا أصبحنا لا نعتني بالحقيقية بسبب طلب الكثرة . القرآن الكريم والذي في نظرنا نحن المسلمين هو أفضل وأرفع منبع للتعاليم الأخلاقية ، ليس فقط يمر على جميع هذه الأصول ، بل وإنما في أغلب الموارد يعلى بمراتب . القرآن هو محرّر الانسان من قيود التقاليد الفارغة والقوى المذهبية والسياسية والاقتصادية والقبلية والعنصرية والعبودية وكل شيء آخر يكون مانعاً من وصول الانسان الى مقصده وهذا المنزل والمقصد هو الذي وعد به في سورة النجم آية (42) : " وإنّ الى ربك المنتهى " . جميع حقوق الانسان الاساسية أيّدت ودعّمت في القرآن . وبالنسبة لمورد حـق الحياة يقول : " ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق" (الانعام/151)، وأيضاً : " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً " (المائدة/32). وتكررت الأصول الأخلاقية في القرآن المجيد بصورة متفرقة ولكن في موردين وردت مصنفة. ونستطيع أن نقول اقتراح الاسلام بشأن الأخلاق العالمية هو هذه الأصول . والشيء الجذّاب عرّف في أحد الموردين الأصول المذكورة " أصول الحكمة " وفي المورد الآخر " الصراط المستقيم " بالله . مكتب الحقوق الطبيعية قائم على هذا الاساس من الاخلاق الفطرية والاديان الالهية العظيمة تستطيع بطرح وإحياء الأصول والقيم الاخلاقية توفير موجبات التفاهم بين الأديان فتكون من جهة قد أسدت خدمة عظيمة للصلح والأمان العالمي ومن جهة اخرى قيدت جموح وطغيان القدرة . الاسلام هو دينٌ الهي اجتماعي ، ومع التوجه للبعد الأخير ( اجتماعي ) يضاف اليه بعدٌ آخر هو نظام الادارة . ورسالة الفقيه هي أن تتمكن من توجيه الثلاث أبعاد بجانب بعضها البعض . الفقه قوّة فعالة ويستطيع أن يبيّن التكاليف الدينية المرتبطة بالافراد والمجتمع والنظام الحاكم وادارة المجتمع بقصد تحقيق غايات وأهداف الدين ويقول ماذا يتوقع الاسلام من هذه الوحدات الثلاثة . أيُّ فردٍ يقبله حتى يقال له : فردٌ مسلم . أيّ مجتمعٍ يقبله حتى يقال له : مجتمع مسلم . وأي ادارة اجتماعية ، سياسية ، تربوية ، قضائية واقتصادية تقبلها حتى يقال لها : نظام اسلامي . الاسلام يقبل بالمجتمع الذي يكون قائماً بالقسط ، ليقوم الناس بالقسط . مجتمع يكون شامخاً ومرفوع الرأس ، ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين . ويكون متحداً وكاملاً ، بعضهم أولياء بعض . ويتسابق الأفراد في الخيرات ، فاستبقوا الخيرات . ويقبل بأفراد لديها نظرةٌ صحيحة للعالم ومؤمنة وتعمل أعمالاً صالحة ، " الذين آمنوا وعملوا الصالحات " . اذا كان الفقيه غافلاً عن مسائل الحياة الانسان المعاصر له يكون قد نفى الفلسفة الاصليه له ، لأن الفلسفة الأصلية للفقاهة هي تعيين مسير الحوادث الواقعة من وجهة نظر الدين . الحوادث الواقعة تعني المسائل المختلفة للانسان المعاصر . من مسائل حياة الانسان الماضي وكل ما يوجد في حياة الانسان المعاصر . المسألة الاصلية للفقه هي الجزء المتحوّل في الحياة وليس الجزء الثابت فيها . وفي هذا الجزء المتحوّل يجب على الدين تبيين الاجابة وهدايته ، وفي الواقع الفقيه هو الناطق الرسمي عن الدين . اذاً يجب على الفقيه التوجه توجهاً تاماً نحو أمرين مهمين هما : 1- أن الأحكام الاستنباطية يجب ان تكون جميعها لتحقيق أهداف الدين أي تحقيق مكارم الأخلاق والقيام على القسط وسائر الأهداف المذكورة ، وليس فقط لا تكون معارضة لها وقاضية على أرضيّاتها بل تكون البانية لأرضيّة تحقيق تلك الأهداف الأصلية . 2- وأن يستنبط ويعرض كل حكمٍ لازمٍ لتحقيق تلك الأهداف ولم يستنبط ويعرض من قبل بالنسبة للموضوعات المختلفة . ومن هنا يختلف كثيراً عدد آيات الأحكام عن أخبار الأحكام. تلاحظون في الاجتهاد رائج أن الآيات المرتبطة بالعدل والعزة والوحدة والتسابق في الخيرات و.. و..غيرها ومن الممكن الآيات التي تليت في كلامي ، لا تعتبر جزءً من آيات الأحكام ، والأخبار الواردة في هذه النوعية من المسائل تسند صرفاً من الناحية الأخلاقية ، ولكن برأيي الأصول الأخلاقية هدف الدين ونستطيع أن نقول الأصول السابقة للفقه ، ويجب ومن اللازم دوماً رعايتها في استنباط أحكام الشريعة . وبرعاية الأصـول المذكـورة نستطيع أن نحصل على الأمور المشتركة وحوار الاديان . والاجتناب من الفتاوي الموجبة للنزاع والتي نتيجتها المنطقية هي ايجاد الفشل والتمزيق الاجتماعي والثقافي كما ورد في القرآن . يجب على الجميع أن يحسّوا بأنهم أعضاء لجسد واحد وسرورهم وسعادتهم ترتبط ببعضهم البعض وبنعم الله على الكرة الأرضية . ويجب كل ما لا نجيزه لأنفسنا لا نجيزه أيضاً للآخرين . ونقـدّم المروّة ونجتنب العنف ونحترم الصلح والأمان . ونسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية ، ونجعل قول الحق والشفقة والانصاف في جميع الأحوال شعاراً لنا ، لأننا نؤمن بالحقيقة القصوى والمنجي لا يزال ، ولا نسمح للاختلاف في التقاليد والثقافات أن تتبدل الى اختلاف مذهبي ونتنازع باسم الله ورسوله ونتشاجر مع بعضنا البعض ويوم عن يوم نبتعد أكثر باسم أحكام الشريعة عن أهداف الشريعة. نسأل الله تعالى أن يوّفقنا لمرضاته ولكل ما يكون في خدمة البشرية من التفاهم والتعاون بين أتباع الديانات السماوية والكتب المقدّسة وتعايش الشعوب والثقافات المختلفة في سلام ومحبّة اللهم آمين يارب العالمين . السيد ابو القاسم الديباجي الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي |