English إتصل بنا من نحن الرئيسية
تحميل جميع أبحاث مؤتمر ( الفقه الإسلامي و تحديات العصر ) *** السلام عليكم و رحمة الله و بركاته *** لا إله إلا الله محمد رسول الله
مقالات
 
حقوق المواطنة لغير المسلمين بدولة الإسلام
بقلم الأستاذ الدكتور/ نصر محمد الكيلاني أستاذ العقيدة والأديان المشاركرئيس قسم العقيدة بكلية أصول الدينجامعة أم درمان الإسلاميةالسودان
المزيد..
تطور وثائق حقوق الانسان في الثقافة الإسلامية
بقلم الدكتور / غانم جواد الباحث الإسلامي بمؤسسة الإمام الخوئي الخيرية
المزيد..
الفقه الإسلامي بين الأصالة والمعاصرة
بقلم الأستاذ / عمار ابو رغيف الأستاذ في حوزة النجف الأشرف
المزيد..
الممارسات الاجتماعية الضارة بمكانة المرأة فى الإسلام
بقلم الأستاذ الدكتور / أبوبكر دكورى مفتي جمهورية بروكينا فاسو
المزيد..
حقوق المرأة في الفقه الإسلامي
بقلم الشيخ / هيثم السهلاني عضو الهيئة الإدارية للهيئة العالمية للفقه الإسلامي
المزيد..
الفقه بين شرعية الأصالة واستحقاقات المعاصرة
بقلم الأستاذ / جعفر الحكيم الأستاذ في حوزة النجف الاشرف
المزيد..
المواطنة في الفقه الإسلامي
بقلم الأستاذ الشيخ/ أحمد البهادلي مدرس في الحوزة العلمية وأستاذ جامعيالعراق / النجف الأشرف
المزيد..
موقعية حقوق الإنسان في الفقه الإسلامي
بقلم سماحة الشيخ / حسن موسى الصفار
المزيد..
الديمقراطية وحقوق الإنسان ( الرؤية الاسلامية والنظرية الغربية وصراع التحدّيات )
بقلم سماحة الشيخ / عبدالعظيم المهتدي البحراني
المزيد..
الديمقراطية و حقوق الإنسان في الفقه الإسلامي
بقلم الأستاذ / محمد علي بحر العلوم الأستاذ بحوزة النجف الأشرف
المزيد..
 
بيانات الهيئة
 
البيان الثاني
بيان صادر عن الهيئة العالمية للفقه الإسلامي حول احداث أقليم شينغيانغ الصيني
المزيد..
البيان الأول
حرمات الله
المزيد..
 
اخبار الهيئة

كلمة سماحة السيد ابو القاسم الديباجي التي القاها في مؤتمر ( العولمة و الدين و القيم الإنسانية ) العودة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله أبلغ كلمات الحمد وآياته ، والثناء عليه أسمى عبارات الثناء وغاياته ، وصلى الله على نبيّه المصطفى  محمد بن عبد الله وعلى أصحابه المنتجبين .

     وأما بعد –  فإن  المبادرة النبيلة المسؤلة التي أطلقها - مجلس الأديان في إتحاد الجمهورية المستقلة - لانعقاد مؤتمر " العولمة و الدين و القيم التقليدية " بمشاركة جمع من أبرز علماء الأديان العالمية و الثقافات المختلفة و المهتمين بالحوار من مختلف أتباع الرسالات الالهية من أجل تحقيق السلام العالمي و التوافق والوئام الانساني ، ومن أجل انساني منفتح ومتنوّر يستند الى الاسس والاخلاق الكونية والانسانية والدينية المشتركة النابعة من خالق واحد للبشر والوجود برمته ومن أجل انقاذ المجتمعات الانسانية من الضياع والحفاظ على نواته الاساسية ، وعلى هذا فإن هذه المبادرة المباركة التي أطلقها سماحة آية الله شيخ الإسلام البروفيسور /  الله شكر باشا زاده رئيس إدارة مسلمي القوقاز  و البطريرك كيريل بطريرك موسكو و سائر روسيا لإنعقاد هذا المؤتمر الذي هو من أسمى الرسالات و الغايات التي نحتاجها في زمننا هذا الذي كثرت فيه المحاولات المتواصلة لتوسيع الهوة بين المسلمين و غير المسلمين عن طريق تحريف الدين الإسلامي المعتدل الذي يدعو للسلام و التسامح و تشجيع البعض على العمليات الإنتحارية ضد المدنين و الصاق صفة إرهابي لكل ما هو مسلم و كذلك محاولات تفريق و تشتيت وحدة صف المسلمين بإثارة النعرات الطائفية و الصراعات المذهبية ، لكن و عن طريق مثل هذه المبادرات الكريمة و إنعقاد مثل هذه المؤتمرات التي تجميع ممثلي جميع الديانات والثقافات على مائدة حوار واحدة يكون السبيل الوحيد الذي يمكننا عن طريقه  من  أن نبارز ونكافح جميع الأفكار الخاطئة التي تحركت لإثارة فتنة الاختلافات المذهبية

 

وقبل كل شيء و بصفتي الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي يسعدني و يشرفني أن أنقل لكم من طرف أكثر من مائة مفتي و مجتهد وعالم دين من جميع علماء المذاهب الاسلامية المختلفة في جميع أنحاء العالم أعضاء الهيئة العالميـة للفقه الاسـلامي الشكـر الجزيل لمواصلة الجهـد المبارك الذي بذله مجلس الأديان في إتحاد الجمهورية المستقلة تحت إشراف شيخ الإسلام البروفيسور / الله شكر باشازاده لتنظيم و إنجاح هذا المؤتمر العظيم في اهدافه و غاياته و كذلك لجميع الحضور و المشاركين ، وإني مطمئن أن هذا المؤتمر سيكون له تأثيرٌ حياتيٌ بالغٌ في مصير الحركات العالمية نحو الصلح والاخلاق والانسانية في سائر حوارات الاديان .

     النقطة القابلة للتقدير والاحترام عند الجميع هي أن هذه المؤتمرات ستحدد مصير أجيال المستقبل وأولادنا وتكون لهم نموذجٌ وقدوة ، والتاريخ سيصدر الحكم في أصلها وآثارها القيّمة ، وأما الآن اسمحوا لي حتى أبدأ بكلمتي عن موضوع هذا المؤتمر " العولمة و الدين و القيم التقليدية " .

فوفق الأحصائيات تبلغ نسبة  المسلمين  في العالم تقريبا 23% من عدد سكان العالم فهل يمكن ان ننعزل كمسلمين عن نسبة الـ 77% الباقية من سكان العالم الذين يمثلون الديانات و المذاهب و الثقافات الأخرى ؟! هل نستطيع أن نرفض الأستفادة من علمهم وعلومهم و أن نفيدهم من علمنا و علومنا ؟ هل يمكن الا يكون بيننا وبينهم تبادل تجاري و اقتصادي و حركات بيع وشراء ؟ هل نستطيع أن لا نشتري دواء ما فقط لان صانعيه من غير المسلمين؟ بالطبع لا فمما لا شك فيه أن الدين الإسلامي دين متفتح لا يأبى تقبُل ثقافة ما فقط لكونها ثقافة أجنبية أو من اتباع ملل أو ديانات او ثقافات أخرى بل على العكس فقد حث الدين الإسلامي  على النظر فيها و دراستها و مراجعتهاو يمكن أن نأخذ منها ما يعود بالنفع و الفائدة الحميدة و في نفس الوقت لا يوقع الضرر على الاخرين  , فنحن كمسلمين لا يمكننا أن ننغلق على أنفسنا و لا تكون لنا صلات و علاقات متبادلة مع الحضارات و الثقافات الأخرى ، ولقد انتهج  المفكرون الإسلاميون هذا النهج و على هذا فالدين الإسلامي شدد على  الوحدة العالمية لكن على عدد من القواعد و النظم بما فيها أن تكون تحت مظلة حكم عادل ، و كذلك عدم التخلي عن النظام الدولي شريطة أن يكون قائم على المساواة و العدل الحقيقيين لا الظاهريين و لقد وضح لنا القرآن الكريم أن فوارق الجنس و اللغة و اللون من أسباب التعارف بين البشر جميعاً فيقول عز من قائل في محكم آياته : بسم الله الرحمن الرحيم " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " .

كما بين لنا رب العالمين انه لا ضرر ولا مانع شرعي في أن نبر و نحسن إلى غير المسلمين ماداموا لم يعتدوا علينا او بيننا و بينهم عداوة كما قال الله عز و جل :

" لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "

 

و العولمة كنظام اقتصادي وسياسي وثقافي عالمي له تأثير كبير على الدين كالفكر والثقافة والفقه والأخلاق، فالعلاقة بين الدين و العولمة يمكن أن تكون طردية في جوانب و عكسية في جوانب أخرى ، فمن أوضح معالم العولمة هو الثورة المعلوماتية خصوصا في مجال الاتصالات السلكية و اللاسلكية التي أدت إلى ظهور حاجات لم تكن معهودة  , فاستدعى ذلك بالمقابل الحاجة إلى استحداث محاور إنسانية حديثة تتماشي مع هذا العصر و هذا التقدم ، فمثلا في مجال الدعوة و نشر القيم و المباديء الإسلامية ظهرت القنوات الفضائية الدينية المتخصصة و كذلك المواقع و المنتيدات الدينية على الانترنت بصورة مكثفة فمنها مواقع دور الإفتاء فاصبح في مقدور أي إنسان في أي مكان بالعالم و في أي وقت أن يسأل و يستفسر عن مسئلة شرعية او فقهية ويحصل على الاجابة في نفس الوقت و كذلك ظهرت مواقع الدعوة و الإرشاد و التعريف بالإسلام فساعد هذا على إنتشار الإسلام و ازدياد رقعته و تصحيح صورته الخاطئة المقرونة بالعنف و الارهاب و التطرف لدي الكثيرين ممن لا يعرفون عن الإسلام إلا المُحرف منه كما تذيعه لهم بعض القنوات الغربية من عمليات تفجير إنتحارية ضد المدنين و اعمال عنف و قتل ، فكثير من المدن الغربية لا يوجد بها داعية إسلامي أو حتى انسان واحد مسلم يوضح لهم ماهو الإسلام  الحقيقي و انه يدعو للتسامح و التأخي والعيش في سلام و أن تحيته هي ( سلام ) ولكن الان كل بيت فيه الانترنت و يمكنه عن طريقه التعرف على الإسلام بكل لغات العالم ، وبالتالي فإن استجابة الدين وتفاعله مع هذه المستجدات شيء ضروري و يعود بالفائدة عليه ، شريطة أن تكون تلك العولمة غير مسيّسة ولا تحت سيطرة أعداء الإسلام فإنها هنا تعتبر  إنجاز حضاري للبشرية كلها يمكن الانتفاع والاستفادة منه ، أما إذا كانت تلك العولمة خاضعة لقوى أعداء الإسلام فإنها تكون ذات علاقة عكسية  ذات تأثير خطر يؤثر على الإسلام بالسلب و تشوه صورته عند غير المسلمين و قد تتعمق و تؤثر على المسلمين أنفسهم عن طريق الهائهم عن فروضهم وواجبتهم الدينية و جذبهم نحو القنوات و المواقع الخلاعية و قد يمتد التأثير ويصل إلى حد التشكيك في أصول و ثوابت الدين و محاولة إخراجهم من ملهتم و إنتسابهم إلى ملل و ديانات أخرى عن طريق بث الثقافات المضادة للدين وتغليفها بالعناوين الخادعة كالحرية وحقوق الإنسان وما إلى ذلك مما يؤدي إلى زعزعة الاعتقاد بالدين .

فالإسلام برؤيته المبنية على الاختلاف والتنوع والتعدد والتعارف كان ممن تعامل مع العولمة ، وتراوحت ردود أفعاله بين القبول والتسليم والرفض والتنافر و لكن من المفارقات بين نظام العولمة والدين أن القيم الدينية تقوم على مبدأ الإحسان و البر بينما قيم العولمة بنيت على أساس عدم وجود مجال لهذا الإحسان ,والغاء القيم الدينية و اقرار قيما خاصة بها , والتي تبنى على المنفعة الشخصية والمكاسب المادية والاستغلال والعمل على استنفاذ موارد الدول الفقيرة والضعيفة و على الرغم من نجاح العولمة في التطور التكنولوجي الذي استطاعت به السيطرة على حواس و رغبات  البشر إلا إنها قد فشلت تماماً في تنمية الوعي الديني الروحي لدى معتنقيها الحقيقيين , وعلى هذا فالدين الإسلامي سيظل دين العالمية الذي يعمل دائماً على إشباع جميع الرغبات والاحتياجات الإنسانية الروحية و المادية بقدر متناسب و متوازن بين هذه الاحتياجات و يرفض الهيمنة والسيطرة التي تمارسها أنظمة العولمة ويضع مصلحة الجميع امامه لا مصلحة الافراد فقط , لذلك فكل من يريد الأخذ بنظام العولمة  فيتوجب عليه اولاً أن يتبع ما جاء في الأديان السماوية من قيم و مباديء ثم بعد ذلك  يقبل ما يتفق مع  تلك المبادئ والقيم الدينية ويرفض ما ترفضه فالتخلي عن اي من  القيم الدينية يؤدي إلى تدنى و زوال الحضارات لان الأمم اذا فقدت هذا الإيمان تتعرض قيمها للجدل والشك سرعان ما تفنى و تتلاشى .

و تطور العلوم والفنون والتكنولوجيا في السنوات الألف الاخيرة لا يمكن وصفه بتغيير كمّي وإنما يجب الحديث عن تغيير الكيفي . نظير هذه التغيّرات والتحوّلات ظهرت ايضاً في الأذهان والأفكار . وصلت الارتباطات الى حدّ أن أعقاب الاهتزازات لأي حادثة مهمة تقع في أي زاوية من زوايا الدنيا يُحسُّ فيها في جميع أنحاء الدنيا . آلات وادوات الحرب الجديدة ليس لها حدّ ، واخطاء القادة السياسية في العالم من الممكن أن تجر العالم الى الموت والفناء . وبهذا التناسب ، كما أشرنا ، الآلام البشرية أيضاً اصبحت عالمية . وقسم واسع من الناس في الدنيا حرّموا من الصلح والامان .والجيران ينظر بعضهم الى البعض بخوف وسوء ظن . والرجال والنساء أصبحوا غرباء بعضهم الى البعض . والأطفال يموتون من قلة الطعام والدواء . الفقر والجوع سلبا الحياة الانسانية والمشرّفة من كثير من أهل الدنيا . وأصبحت العدالة القضائية والاجتماعية سرابٌ في الكثير من نقاط العالم . والحقد والعنف منتشرة في كل مكان . الحروب الدينية والمذهبية والقومية وصراع الثقافات  يومياً تحصد ضحايا . وأصبح العناد والهرج والمرج والدمار من يوميات الشعوب في كثير من البلدان .

     في مثل هذه الشرائط ، الحديث عن التصادم بين المذاهب والاختلاف ونفي إمكانية المرابطة والمفاهمة بينها يعتبر جنوناً . اذا حصل هذا التصادم ، فإنه لن يظل أي أحد في أرقى وأهدأ نواحي الغرب بعيد عن آثاره المشؤومة والمخرّبة .

     اليوم الحوار والتقريب بين الأديان الالهية و اصحاب الثقافات المختلفة ليس في زمرة التجمّلات بل هو ضرورةٌ حياتية . منذ سنة 1950 وبعدها ، سعت منطقتي الشرق والغرب بالتهديد بالأسلحة النووية الى عدم التعدّى على الآخر ، واصطلاحاً أقاما نوعاً من توازن الوحشة . ولكن الآن تغيّرت المعادلة . فالاختلاف ليس بين قوتين عظيمتين بحيث بالمقاومة والصبر يمنعون من تبديله الى حرب عالمية وإنما هو اختلاف بين الثقافات المتعددة والمتنوعة بحيث يريد الجميع الحصول على مكانة مناسبة ولائقة في ساحة العالم والتي حقّاً يعتبرونها من انفسهم . ومن جهة أخرى ، يواجه الجميع أخطار بحيث اذا لم يجهّز لها بالاتفاق ولم يحسن النيّة في مواجهتها ولم يجتمع الجميع ويلتقي مع بعضهم البعض ، فسوف يقضى على الجميع وأحد هذه الاخطار ونموذج بارز لها خطر تخريب وانهدام البيئة والذي اذا لم نفكر ولم نجد له طريقة لمنعه فسوف يسوق الجميع الى الشقاء والأمراض والموت ولن يفرّق بين الغني والفقير.

     وأما الحوار بين الأديان و الثقافات هو الطريق والمنهاج الوحيد الذي يستطيع الاستفادة من حسّ المسئولية والقيم الاساسية والمشتركة والتي هي هدف الدين الاسلامي وتوجد في جميع الاديان العظيمة العالمية بعنوان الاخلاق العالمية والقيم الانسانية . كما نرى في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ، الحوار بينه وبين نصارى نجران بل أجاز لهم ولم يمنعهم أن يضربوا الناقوس وأن يصلّوا في المسجد . كما نقله المفسّر الكبير العلامة السيد الطباطبائي في تفسير الميزان (ج3/228) أن نصارى نجران لمّا وفدوا على رسول الله (ص) وحضرت صلاتهم فأقبلوا يضربون الناقوس وصلّوا فقال أصحابه : يا رسول الله هذا في مسجدك ؟! فقال (ص) : دعوهم !!

     فالنبي (ص) هو اول من أسس هذا الاساس في الاسلام وفتح باب المناظرة والحوار وتبادل الأفكار والأقوال لتحصيل أفضلها وأرشدها واتباع أحسنها في إصابة الحق لأنّ القرآن الكريم الذي هو أفضل منبع للأصول الأخلاقية يقول " وبشّر عبادِ الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه " (الزمر/18) وأيضا يقول " ادعُ الى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسنُ "(النحل/125).

     إن الله تبارك وتعالى قيّد الموعظة بالحسنة وقيّد الجدال بالأحسن للتحذير عن المكابرة وسوء التعبير واللجاج مما يزيد في تهييج الآخرين على الرد والعناد وللتحريص على التعاون والتفاهـم مما يدعو الى المحبّة والسلم والسلام . وبرأيي الأساس الثابت هو عدم الاكتفاء بأحكام الدين بل الاهتمام بأهداف الدين ، أهداف الدين هي غايات الدين وأحكام الدين هي مقدمات للوصول الى تلك الغايات.

     اذاً يجب أن يكون دوماً للمقدمات كيفية حتى تنتهي الى الأهداف . والآن لنر ما هي أهداف الدين ؟ الهدف من الدين الأحمدي هو إحياء القيم الانسانية والذي صرّح به رسول الله (ص) في حديثه حيث قال : اني بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .

     يجب تعميق وترسيخ الشيء الذي ذكر في البيان العالمي لحقوق البشر بعنوان حق كل انسان ، على أساس المشتركات الدينية والأخلاقية والثقافية مع أهل سائر الأديان والثقافات . الأخلاق العالمية قائمة على الأركان الاربعة التالية :

1-      ثقافة الترابط والعدالة الاجتماعية والاقتصادية .

2-      ثقافة عدم العنف واحترام كل نوع من الحياة .

3-      ثقافة التسامح والصدق.

4-      ثقافة الحقوق المساوية لجميع الناس .

     التعهد على هذه الاركان ليس بمعنى أن نخطئ ونقول احترام الحرية هو احترام للاستهتار ، وليس بمعنى أننا أصبحنا لا نعتني بالحقيقية بسبب طلب الكثرة .

     القرآن الكريم والذي في نظرنا نحن المسلمين هو أفضل وأرفع منبع للتعاليم الأخلاقية ، ليس فقط يمر على جميع هذه الأصول ، بل وإنما في أغلب الموارد يعلى بمراتب . القرآن هو محرّر الانسان من قيود التقاليد الفارغة والقوى المذهبية والسياسية والاقتصادية والقبلية والعنصرية والعبودية وكل شيء آخر يكون مانعاً من وصول الانسان الى مقصده وهذا المنزل والمقصد هو الذي وعد به في سورة النجم آية (42) : " وإنّ الى ربك المنتهى " . جميع حقوق الانسان الاساسية أيّدت ودعّمت في القرآن . وبالنسبة لمورد حـق الحياة يقول : " ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق" (الانعام/151)، وأيضاً : " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً " (المائدة/32).

     وتكررت الأصول الأخلاقية في القرآن المجيد بصورة متفرقة ولكن في موردين وردت مصنفة. ونستطيع أن نقول اقتراح الاسلام بشأن الأخلاق العالمية هو هذه الأصول . والشيء الجذّاب عرّف في أحد الموردين الأصول المذكورة " أصول الحكمة " وفي المورد الآخر " الصراط المستقيم " بالله .

     مكتب الحقوق الطبيعية قائم على هذا الاساس من الاخلاق الفطرية والاديان الالهية العظيمة تستطيع بطرح وإحياء الأصول والقيم الاخلاقية توفير موجبات التفاهم بين الأديان فتكون من جهة قد أسدت خدمة عظيمة للصلح والأمان العالمي ومن جهة اخرى قيدت جموح وطغيان القدرة .

     الاسلام هو دينٌ الهي اجتماعي ، ومع التوجه للبعد الأخير ( اجتماعي ) يضاف اليه بعدٌ آخر هو نظام الادارة . ورسالة الفقيه هي أن تتمكن من توجيه الثلاث أبعاد بجانب بعضها البعض .

     الفقه قوّة فعالة ويستطيع أن يبيّن التكاليف الدينية المرتبطة بالافراد والمجتمع والنظام الحاكم وادارة المجتمع بقصد تحقيق غايات وأهداف الدين ويقول ماذا يتوقع الاسلام من هذه الوحدات الثلاثة .

     أيُّ فردٍ يقبله حتى يقال له : فردٌ مسلم . أيّ مجتمعٍ يقبله حتى يقال له : مجتمع مسلم . وأي ادارة اجتماعية ، سياسية ، تربوية ، قضائية واقتصادية تقبلها حتى يقال لها : نظام اسلامي .

     الاسلام يقبل بالمجتمع الذي يكون قائماً بالقسط ، ليقوم الناس بالقسط . مجتمع يكون شامخاً ومرفوع الرأس ، ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين . ويكون متحداً وكاملاً ، بعضهم أولياء بعض .

ويتسابق الأفراد في الخيرات ، فاستبقوا الخيرات . ويقبل بأفراد لديها نظرةٌ صحيحة للعالم ومؤمنة وتعمل أعمالاً صالحة ، " الذين آمنوا وعملوا الصالحات " .

     اذا كان الفقيه غافلاً عن مسائل الحياة الانسان المعاصر له يكون قد نفى الفلسفة الاصليه له ، لأن الفلسفة الأصلية للفقاهة هي تعيين مسير الحوادث الواقعة من وجهة نظر الدين . الحوادث الواقعة تعني المسائل المختلفة للانسان المعاصر . من مسائل حياة الانسان الماضي وكل ما يوجد في حياة الانسان المعاصر . المسألة الاصلية للفقه هي الجزء المتحوّل في الحياة وليس الجزء الثابت فيها . وفي هذا الجزء المتحوّل يجب على الدين تبيين الاجابة وهدايته ، وفي الواقع الفقيه هو الناطق الرسمي عن الدين .

اذاً يجب على الفقيه التوجه توجهاً تاماً نحو أمرين مهمين هما :

1-  أن الأحكام الاستنباطية يجب ان تكون جميعها لتحقيق أهداف الدين أي تحقيق مكارم الأخلاق والقيام على القسط وسائر الأهداف المذكورة ، وليس فقط لا تكون معارضة لها وقاضية على أرضيّاتها بل تكون البانية لأرضيّة تحقيق تلك الأهداف الأصلية .

2-  وأن يستنبط ويعرض كل حكمٍ لازمٍ لتحقيق تلك الأهداف ولم يستنبط ويعرض من قبل بالنسبة للموضوعات المختلفة . ومن هنا يختلف كثيراً عدد آيات الأحكام عن أخبار الأحكام.

    تلاحظون في الاجتهاد رائج أن الآيات المرتبطة بالعدل والعزة والوحدة والتسابق في الخيرات و.. و..غيرها ومن الممكن الآيات التي تليت في كلامي ، لا تعتبر جزءً من آيات الأحكام ، والأخبار الواردة في هذه النوعية من المسائل تسند صرفاً من الناحية الأخلاقية ، ولكن برأيي الأصول الأخلاقية هدف الدين ونستطيع أن نقول الأصول السابقة للفقه ، ويجب ومن اللازم دوماً رعايتها في استنباط أحكام الشريعة . وبرعاية الأصـول المذكـورة نستطيع أن نحصل على الأمور المشتركة وحوار الاديان . والاجتناب من الفتاوي الموجبة للنزاع والتي نتيجتها المنطقية هي ايجاد الفشل والتمزيق الاجتماعي والثقافي كما ورد في القرآن .

     يجب على الجميع أن يحسّوا بأنهم أعضاء لجسد واحد وسرورهم وسعادتهم ترتبط ببعضهم البعض وبنعم الله على الكرة الأرضية . ويجب كل ما لا نجيزه لأنفسنا لا نجيزه أيضاً للآخرين . ونقـدّم المروّة ونجتنب العنف ونحترم الصلح والأمان . ونسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية ، ونجعل قول الحق والشفقة والانصاف في جميع الأحوال شعاراً لنا ، لأننا نؤمن بالحقيقة القصوى والمنجي لا يزال ، ولا نسمح للاختلاف في التقاليد والثقافات أن تتبدل الى اختلاف مذهبي ونتنازع باسم الله ورسوله ونتشاجر مع بعضنا البعض ويوم عن يوم نبتعد أكثر باسم أحكام الشريعة عن أهداف الشريعة.

     نسأل الله تعالى أن يوّفقنا لمرضاته ولكل ما يكون في خدمة البشرية من التفاهم والتعاون بين أتباع الديانات السماوية والكتب المقدّسة وتعايش الشعوب والثقافات المختلفة في سلام ومحبّة اللهم آمين يارب العالمين .

                                             السيد ابو القاسم   الديباجي

                                        الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي

 

 

 

 

 

 

 
اضف تعليقاتك
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
 
اظهار التعليقات
 

أخبار الهيئة
مؤتمرات
مقالات
مكتبة الهيئة
ألبوم الصور
الصوتيات
المرئيات
 

حكمة / حديث
 
حديث
من فضل الصيام
المزيد..
حديث
الباب الذي لا يدخله إلا الصائمون
المزيد..
حديث
فــضــل رمــضــان
المزيد..
حكمة
فرص الخير
المزيد..
حكمة
الـعــفــو
المزيد..
 
 
 
 
Copyright © 2009 . WOP-IJ. All rights reserved. Designed & Developed by topws.com