بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة السيد ابو القاسم الديباجي في افتتاح المؤتمر الثاني للهيئة العالمية للفقه الإسلامي
( الفقه الإسلامي و تحديات العصر )
اسطنبول 12-13 مارس 2009
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبفضله تُستجاب الدعوات .
وأفضل الصلاة والسلام على سيد الكائنات ، والرحمة المهداة ، محمد بن عبد الله خير البريات ، وعلى آله وصحبه ومن تبعه على الهدى والصالحات .
العلماء الأفاضل .. المفكرين الأماثل .. أصحاب السعادة .. أصحاب المعالي .. الحضور الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسعدني غاية السعادة أن أرحب بكم جميعاً ، وأن أشكركم جزيل الشكر على استجابتكم لدعوتنا ، وعلى حضوركم ومشاركتنا في هذا المحفل العلمي العالمي السامي .
كما يسعدني أن أقدم لكم وللأمة الإسلامية أطيب التبريكات بمناسبة ذكرى ربيع المولود المبارك الذي أشرقت بنوره السموات والأرض ، نور خاتم الأنبياء والمرسلين ، الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين ، ونحن متفائلون بأن يكتب الله النجاح والتوفيق لهذا المؤتمر الذي شاء الله أن يعقد في هذه الأيام المباركة .
أيها الحضور الكرام
إن من دواعي عزة الأمم ومجد الحضارات الفخر بما يتراكم لديها من إرث علمي ثقافي تستند إليه في حاضرها ، وتستمد منه متطلبات مستقبلها ، حيث لا وجود لأمة ولا عزة لشأنها دون أن تستشرق مستقبلها ، آخذة في الاعتبار المستجدات على الساحة ، ومستحدثات العصر ، والتحديات التي تفرضها ظروفٌ ، بعضها خارجة عن البيئة الإسلامية ، وبعضها نابع من داخلها .
وانطلاقا من شعورنا بالمسئولية ، وتحملنا لأمانة تبليغ الشريعة ، والوقوف أمام ما تواجهها من تحديات ومستحدثات ، كان هذا المؤتمر تحت عنوان (الفقه الإسلامي وتحديات العصر) ، والمقام على هذه الأرض الطيبة ، التي كان لها دور بارز منذ القدم في الثقافات الإسلامية ، ولا يزال مستمراً حتى يومنا هذا ، وبمشاركة هذا الجمع المبارك الذي يجسد وحدة هذه الأمة على اختلاف اجتهاداتها الفقهية ، والتي بدورها تعكس يُسر الشريعة الغراء وسماحتها ، وكلنا أمل في أن نكون – كما أمَّل فينا أبناء أمتنا – حماةً لثغور الدين ، ودعاة لوحدة المسلمين .
وأتمنى أن تكون خطوتنا الأولى في هذا المسير هي قبول فكر الآخرين برحابة صدر مهما كان ، ومن ثم تحليله حسب المبادئ ، فنكون بحق من مصاديق قوله تعالى :
( فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) ،
حيث أن الاستماع هو السعي والتعمد في سماع القول ، وأن كلمة " القول " - كما جاء في بعض التفاسير - هو مطلق القول .
وعلى هذا يجب علينا جميعاً أن نستمع إلى مختلف الأفكار ونطلع على جميع الآراء ونناقشها ونحللها ، ثم نتبع أحسن القول بعد التأمل والرويَّة ، إلى أن نصل إلى الحقيقة ، فالحقيقة هي مولود البحث ، وهذا سبيل المهتدين وسلوك أولي الألباب .
والحكمة الإلهية اقتضت أن يتقاسم الناس العقل فيما بينهم ، فيكون اختلاف العقول سبباً في تواصلهم وتبادل المنفعة بينهم ، كما في قول نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم : " أعقلُ الناس من جمَعَ عقولَ الناس إلى عقله ، وأعلمُ الناسِ من جَمَعَ علومَ الناسِ إلى علمِه " ، ونلاحظ أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل المؤمنين أو المسلمين فحسب ، بل الناس عامة من جميع المذاهب والملل والنَّحل .
وسوف يتناول المؤتمر خلال جدول أعماله محاور أربعة هي كما يلي :
- الفقه الإسلامي بين الأصالة والحداثة .
- المواطنة في الفقه الإسلامي .
- الديمقراطية وحقوق الإنسان في الفقه الإسلامي .
- حقوق المرأة في الفقه الإسلامي .
فعندما نتحدث عن الفقه الإسلامي بين الأصالة والحداثة ، نجد أن من أهم التحديات التي تواجه جميع أنظمة الأديان والرسالات الربانية هي تلك التحديات التي نشأت بسبب التغيرات في أفكار البشر وسلوكياتهم وتوجهاتهم ، والتي قد تكون سبباً في تعدد الرسالات واختلاف الشرائع .
فغاية جميع الرسالات واحدة لا تتغير، ألا وهي كلمة التوحيد والفلاح ، كلمة ( لا إله إلا الله ) ، ولكن قد يحرِّم دين شيئا أحلَّه دينٌ قبله أو أن يُحِلُّ شيئا حرَّمَه دينٌ قبله ، وهذا التغيير إنما يحدث للمواكبة والتكييف مع التغيرات التي تطرأ على سلوكيات البشر ومستحدثات العصر .
وتتجلى هذه التحديات لتكون أكثر صعوبة وأشد خطورة أمام الدين الخاتم ، دين الإسلام ، حيث أنه لن يأتي الآن رسول بدين جديد ، فيحرِّم أو يحلل تبعا لمستحدثات هذا العصر أو العصور التي تليه ، والتي لم يكن لها وجود في عصر ظهور الرسالة المحمدية .
ونذكر على سبيل المثال لا الحصر إحدى حملات الاستهداف العدواني المتعمد على الإسلام أفرزتها نزعات عنصرية حاقدة من قِبَل جهات تدعي حرية الفكر والرأي :
عندما ظهرت الرسومات المسيئة لرسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ، وهي في الحقيقة إساءة لجميع الأنبياء والرسل والوحي بل للحضرة الإلهية المقدسة ، نرى أن المسلمين انقسموا فيما بينهم ، واختلفوا في آرائهم ، فمنهم من طالب بقطع العلاقات الدبلوماسية ، ومنهم من طالب بمقاطعة اقتصادية وتجارية ، وذهب آخرون إلى تكفير أصحابها ، ورأي البعض الآخر ضرورة الرد الإعلامي والحوار الثقافي !!
فأي سلوك نسلك ، وأي سبيل نتبع للتعامل مع هذه التيارات المعادية وأمثالها ؟!
نحن نقول أن الله تعالى قد مَنَّ علينا بشريعة غراء تغطي جميع جوانب حياة الفرد والمجتمع ، وصالحة لكل زمان ومكان ، وقابلة للتطور والتحديث بما لا يتناقض مع قوامها الأساسي أو أهدافها ، وقادرة على مواجهة أي عبث يحاول أن يخل بها .
والإسلام بمبادئه السامية ورسالته العالمية الخالدة وبقوته الذاتية مؤهل لمواجهة تحديات كل عصر ، وسبيل خلاص لتحقيق إنسانية كل إنسان ، إلا أنه يجب على المسلمين أن يرتقي وعيهم وفهمهم لشموخ هذا الدين العظيم ، ويتــَّحدوا في ظله كأمة موحَّدة من جهة ، ويستوعبوا كل الثقافات والحضارات والأديان الأخرى من جهة أخرى .
ولتحقيق هذه الوحدة ومواجهة المستحدثات والتحديات يجب علينا :
أولا : الرجوع إلى الأصالة والوثائق التاريخية .
ثانياً : فتح قنوات اتصال جديدة مع الغرب .
ومن أعظم الوثائق التاريخية العَصِيَّة على النسيان تلك التي تعود إلى عام 1366هـ / 1947م ، حين تبلورت فكرة تأسيس ( دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ) في القاهرة ، على يد علماء أجلاء مخلصين ، أبرزهم العلامة الشيخ محمد تقي القمي - مبعوث آية الله العظمى السيد حسين البروجردي ، المرجع الأعلى للطائفة الإسلامية الشيعية في عصره ، والإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر آنذاك، والتي كان هدفها الأسمى هو وحدة المسلمين تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وقد شددت على تحريم التكفير لأي من أتباع المذاهب السنية أو الشيعية باعتبارهم أهل قبلة واحدة ، وهي من الأهداف المحورية للهيئة العالمية للفقه الإسلامي والتي تضم أكثر من ستين عالما وفقيها من المذاهب السنية والشيعية .
لذا وجب علينا أن نتمسك بموروثنا الديني من الكتاب والسنة النبوية الشريفة ، ثم نسعى بدورنا - كعلماء وفقهاء في الاجتهاد والبحث في أصول الدين والشريعة - لإيجاد الحلول الملائمة للتحديات والمستحدثات التي تواجه الفقه الإسلامي والمسلمين ، ودرء أي انقسام داخلي أو صراع طائفي أو تطرف ديني أو مذهبي ، والبعـد عن تكفير المذاهب وأتباعها ، ونسعى جميعاً لتوحيد كلمة المسلمين في شتى بقاع الأرض ، والتقريب بينهم ، حتى لا تتشتت صفوفنا وتضعف جبهتنا في مواجهة أي خطر أو عبث يحاول المساس بمعتقداتنا أو قيمنا الإسلامية ، ويكفينا أن نركز وبجدية تامة ونية صادقة على كلمة جامعة بين أمر ونهي إلهي :
" واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " .
ثم إننا نحتاج إلى فتح قنوات اتصال جديدة وفاعلة مع الغرب ، لأنه لا يُعقل في هذا اليوم الذي بلغ فيه مجموع سكان العالم ما يقارب 6 مليار و900 مليون نسمة ، وعدد المسلمين ما يقارب مليار و300 مليون نسمة ، أي بنسبة 19% أن نعيش كأمة مسلمة بعيداً عن باقي أمم الديانات الأخرى .
إنه أمر مستحيل .
وعلى هذا يجب علينا التحاور مع أصحاب الديانات والطوائف الدينية الأخرى حتى نستطيع أن نعيش جميعا في سلام وأمان دائمين ، وأن نـُـظهِـر للعالم أجمع ومن خلال التحاور والنقاش المثمر الصورة الحقيقة للإسلام بأنه دين توحيد لا تفريق ، وأنه دين محبة واعتدال وتسامح وإقامة الدليل ، لا الصورة المضللة التي يسعى في رسمها كل من المتطرفين والإرهابيين والمخالفين لهذا الدين ، ونحاول إزالة ما علق بالأذهان من أن الإسلام دين عنف وكراهية واضطهاد وتخلف .
وهذا من أهم أهداف مؤتمرنا اليوم ، ونتمنى أن نقدم ورقة عمل تترجم جهودنا جميعا إلى واقع ملموس ، وتكون وثيقة نرجع إليها في مواجهة أي تحديات أو مستحدثات قد تواجه الإسلام والمسلمين .
وأما المحور الثاني : المواطنة في الفقه الإسلامي .
فالمواطنة كما في تعريفها هي العلاقة الودية المتبادلة بين الوطن والمواطن ، أو هي حق الانتماء للمكان الذي يتواجد فيه الفرد لفترة زمنية طويلة ، أيا كان جنسه أو دينه أو مذهبه أو اتجاهه ، والالتزام بقانون الدولة التي يقيم فيها ، مع ما تفرضه من حقوق وواجبات .
وقد يواجه بعض المغتربين عن أوطانهم الأصلية صعوبات في التوافق بين معتقداتهم الدينية وقوانين الدولة التي يقيمون فيها ، وإشكالية المواطنة والدين وأيهما أولى بالتقديم .
ولرفع الحرج والمشقة أو تخفيفها عن هؤلاء المغتربين وتشخيص المواقف لهم علينا أن نعرف القواعد الفقهية التي تطابق حال الاغتراب في البلاد غير الإسلامية وما يسببه من إشكاليات ، لاسيما عند اختلاف الثقافات والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي يجد المغترب صعوبة في تقبلها .
وبالنسبة للمحور الثالث أي حقوق الإنسان في الفقه الإسلامي ، فنقول إن من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ حقوق الناس كاملة غير منقوصة ، والحيلولة دون انتهاكها .
وعلى سبيل المثال كان الرق وتجارة العبيد والجواري منتشرا قبل الإسلام ، فألغاها الإسلام وحرمها ، وطالب المسلمين بالحفاظ على أرواح وممتلكات وحريات المسلمين فيما بينهم ، وكذلك غير المسلمين ، وعند فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين ألا يقتلوا إلا من يقاتلهم ، ونهاهم عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ ، وألا يقطعوا شجرة .
والإسلام يساوي بين بني آدم الذين خلقهم الله تعالى من نفس واحدة ، وكرمهم جميعا على سائر المخلوقات ، فالكرامة حق أصيل منحه الله لعموم بني آدم بنص قرآني صريح : ( ولقد كرَّمنا بني آدم ) ، وأول مظاهر هذه الكرامة الذاتية هو حرية الرأي والفكر والتعبير ، ويترتب على هذه الكرامة الشمولية أن يكون الناس جميعاً سواء أمام الله وأمام القانون .
وسؤالنا هو : كيف نحفظ هذه الحقوق ونحترمها ، ونحقق بها كرامة الإنسان التي هي وما يتبعها من الحريات من ثوابت عقيدتنا الإسلامية وللأسف ينسبها الغرب إلى نفسه ؟
وأما في المحور الأخير - حقوق المرأة في الفقه الإسلامي – فنقول :
لم تُكَرَّم المرأة تكريما أجلُّ وأعظمُ مما كُرِّمت به في الإسلام ، لأن الخالق الذي خلق المرأة والرجل أعلم بطبيعة ما خلق ، فجعل لكل منهما حقوقا تتناسب وطبيعته البشرية .
ولقد كثر الحديث مؤخرا عن حقوق المرأة ، ويرى بعض الأشخاص الذين يسيئون فهم شريعة الإسلام أو يجهلون أحكامه أن الإسلام يقف عائقاً أمام تساوي الرجل والمرأة في بعض الأحكام كالإرث والشهادة ، ويعتبر أن بعض النظم التي يقرها الإسلام هو إجحاف بحقها وإهدار لكرامتها كتعدد الزوجات وقوامة الرجل على المرأة وصيغة الطلاق المعطاة للرجل ، ويعتبرون كل ذلك مثالب في التشريع الإسلامي ، وعلى أثره يحكمون على الإسلام والمسلمين بالتخلف والرجعية .
ويظهر في صياغ المواثيق الدولية والغربية بالنسبة لحقوق المرأة التأكيد والإصرار على مساواتها بالرجل في الأحوال الشخصية والحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية ، وتعتبر أن أي خروج على هذه النظرية هو تمييز ضد المرأة و ظلم لها .
ولكن هذا التأكيد على المساواة بين الرجل والمرأة يفتقد إلى عنصر هام ، وهو العدل والإنصاف ، فالإسلام دعا إلى المساواة بين المرأة والرجل في كثير من الأحكام الشرعية والحقوق الإنسانية ، فهي متساوية مع الرجل في الجزاء والثواب يوم الحساب ، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكذلك حفظ لها حقوقها جميعا ، مثل حق الميراث ، وحق التملك والبيع والشراء والتعلم ، ولا يمكن لأحد أن يأخذ منها مالاً تملكه بدون رغبتها وموافقتها ، وغيرها الكثير من الحقوق ، إلا أن التشريع الإسلامي يربط المساواة بالعدل فيما يخص بعض الأحكام بين الرجل والمرأة فيما يناسب طبيعتهما البشرية والاجتماعية ، حتى لا تتحول المساواة دون مراعاة العدل والإنصاف إلى ظلم للمرأة في حقوقها .
وهنا نطرح سؤالا : كيف يمكننا أن نواجه هذا الهجوم الغربي والاتجاه الفكري والتيار القوي المخالف لعقيدتنا بوعي وحكمة وموضوعية وبأثر فاعل ونتائج إيجابية ؟
ختاماً ، أسأل الرحمن المستعان أن يوفقنا حيث أردنا الإصلاح الحقيقي بجدية تامة ما استطعنا ، وأن يكلل جهود علمائنا الأفاضل وفقهائنا الأجلاء بالنجاح ، وأن يجعلنا ممن ينال الأجرَين ، أجر الاجتهاد وأجر الصواب في الاجتهاد ، وأن يجعل من جمعنا هذا منطلقاً نحو مواجهة ما يستجد على الساحة الإسلامية من خطوب وتحديات عملا وتطبيقا ، حيث منَّ الله تعالى علينا بشريعة ميَّسرة لا جمود فيها ولا بعد عن واقع معتنقيها ، إنه ولي التوفيق .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته