المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونشكره ونستغفره ونتوب إليه. يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك الكريم، وسلطانك العظيم القديم، يا من قلت وقولك الحق:
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً))(النساء الآية 1) ، وصلي اللهم وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين محمد وعلى آله الأخيار الأطهار، وعلى صحابته الكرام الأبرار، أما بعد: فقد جاء الإسلام وأرسي مجتمعاً يمثل النموذج للمجتمعات الإنسانية، مجتمعا لا يضع حجْراً على تعايش جميع الملل ضمن إطاره العام، ولا ينصب محاكم تفتيش تتابع المخالفين في حركة تطهير عرقية.. فالعدل هو سمة دولة هذا المجتمع ، وقد فرضه الله في عدد من نصوصه الدينية. قال تعالي: ((لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ))(لممتحنة الآية 8).
فالوطن هو السقف الذي يستظل تحته المسلمون وغيرهم، في تكاتف يخدم المصلحة العليا لهذا الوطن، على أساس من العدل والمساواة. والشريعة الإسلامية شريعة ظاهر فيها الدليل على عدالتها، وسموها، وتقريرها للحقوق والواجبات بما يحقق جلب المصالح للمجتمع، ويدرأ عنه المفاسد.
فهذه الورقة هي محاولة لرصد ما كفلته الشريعة الإسلامية من حقوق لغير المسلمين، الذين اختاروا العيش داخل المجتمع المسلم، ويتمتعون فيه بحق المواطنة مع غيرهم من المسلمين. فإن وفقت في إبراز ذلك فبفضل من الله وتوفيقه ، وإن أخطأت وجانبت الصواب، فمن طبيعة بشريتي الخطاءة.. أسال الله أن يغفر لي زللي وخطئي فيما كتبت وقلت، أنه سميع مجيب.
مفهوم الحقوق
ورد في معاجم اللغة:الحَقّ(بفتح الحاء) وجمعه: حُقوقٌ وحِقاقٌ(بكسر الحاء): ضد الباطل ونقيضه. قال تعالي: ((بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ)) [الأنبياء/18].
والحق: هو الثابت الذي لا يجوز إنكاره، لقوله تعالي: ((فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)) [الإسراء/16]. والحق: الواجب اللازم. يقال: حُقًّ عليك أن تفعل كذا: أي وجب عليك وأحققتُ الشيء: أي أوجبتُه. والحق من أسماء الله –عز وجل-وصفة من صفاته سبحانه. كما يُطلق لفظ(الحق) على العدل.
فمن خلال ما مرّ معنا من معاني للفظ (الحق) يتبين لنا القيمة الكبرى للحقوق التي يمكن أن يتمتع بها الإنسان داخل دولة الإسلام باعتباره موطنته.
مفهوم المواطنة
ورد في معاجم اللغة: الوطن: مكان الإنسان ومقرّه. يقال: أوطن الرجل البلد، واستوطنه، وتوطَّنه: اتخذه وطناً ومحلا يسكن فيه. والوطن: وطن المولد ، ووطن الإقامة. ويقال: واطنه علي الأمر: وافقه عليه. (1)
وأطلق المعاصرون لفظ (المواطنة) بمعني: المعايشة في وطن واحد، وهي تعريب للفظة الإنجليزية (Citizenship)، وقد عرفتها دائرة المعارف البريطانية بأنها: "علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمن تلك العلاقة من واجبات وحقوق متبادلة في تلك الدولة".
والوطن في المفهوم الإسلامي: هو السقف الذي يجمع المسلمين وغيرالمسلمين، الحاملين لجنسية الدولة الإسلامية – أهل الذمة – في لحمة تفرض عليهم جملة من الحقوق والواجبات.
لقد تبنّى كوكبة من المفكرين الإسلاميين المعاصرين موقفاً يتفق على مفهوم إسلامي جديد للمواطنة، يساوي بين المسلمين وغيرهم داخل الدولة المسلمة، وأصلوا لذلك، وبينوا الأصناف التي لها حق المواطنة أو الجنسية في الإسلام وهم: اليهود، النصارى، المجوس، بل حتى المشركين، مع التأكيد على البعد الإنساني العالمي للإسلام(2). فالمواطنة بالمفهوم الشرعي الإسلامي، ترتفع عن كل الفوارق، مما تمايز به الإنسان وتفاخر على أخيه الإنسان على مرّ العصور. ويترتب عن هذه المواطنة لغير المسلمين شروط أهمها:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أنظر: ابن منظور: لسان العرب 13/451، والمصباح المنير2/64؛ المعجم الوسيط 2/1008؛ كتاب العين 7/454؛ معجم لغة الفقهاء 1/66.] ترقيم إلكتروني: المكتبة الشاملة[.
(2) أنظر هذا الرأي: عبد الكريم زيدان: أحكام أهل الذمة والمستأمنين في دار الإسلام ص 27 ؛ راشد الغنوشي: حقوق المواطنة ،
ص 56 -57.
أ – أداء الجزية، وسائر الضرائب التجارية.
ب – التزام أحكام قانون الدولة المسلمة واحترامه.
ج – مراعاة مشاعر من واطنوهم معهم (المسلمين).
د – عدم إعانة المحاربين للدولة المسلمة، بأيّ نوع من الإعانة.
كما نلحظ أن مفهوم المواطنة، يشكل نوعاً من الاختلاط بمفهوم (الهوية) لدى كثير من المسلمين.. فالمواطنة هي مجرد انتماء جغرافي حسي.. أما الهوية فهي انتماء فكري ديني. فالهوية هي المحددة لنوعية الوطن، ومحددة لما هو مناسب وصالح من تشريعات وقوانين منظمة للوطن، وليس العكس، إذ قد تمر على الوطن الواحد حضارات مختلفة بهويات مختلفة.
إذن فالمواطنة اسم جامع لأبناء المجتمع الإسلامي مسلمين كانوا أم غير مسلمين. فالجميع (أهل وطن)، تجمعهم (أخوة وطنية) على اعتبار أنهم جميعاً(أهل دار الإسلام)، وصاحب الدار كما هو معلوم ليس غريباً، ولا أجنبياً.
وهذه الأخوة نجد لها أصلاً قرآنيا كما في قوله تعالي: ((كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ)) [الشعراء/105، 106].
فالإسلام لا يعترف فقط بالأخوة الدينية وإنما يضع اعتبارا كذلك لأخوّات أخرى مثلما ذكرنا كالأخوة الوطنية والأخوة الإنسانية... وغيرها.
الأخوة الوطنية والمعايشة لغير المسلمين في وطن واحد لا تعطيهم الأفضلية في المحبة والولاء عن باقي المسلمين. فحب الدين مقدم عن حب الوطن، والولاء للمؤمنين مقدم عن الولاء لغير المسلمين وإن عايشونا في أوطاننا، وإلا لما هاجر رسول الله صلي الله عليه وسلم تاركاً موطنه الذي هو أحب بقاع الأرض إليه،ودمعت عيناه الشريفتان عند فراقه..وذلك من أجل دينه ودعوته.
حقوق الإنسان في الإسلام
إن المستقرئ لما أوجبه الإسلام من حقوق للإنسان - باعتبار إنسانيته، وكونه عبداً لله خلقه، وكفله بأن يكون خليفته في الأرض- يجد أن هذه الحقوق قسمان:
القسم الأول: الحقوق العامة: وهي التي كفلها المولي -عز وجل- لجميع عباده باعتبار عنصرهم البشري، ووحدة نسبهم لأبيهم آدم عليه السلام. وهذه الحقوق العامة سيّجها الشارع الحكيم بوضع الحدود صيانة للدين، وللنفس، وللنسل ، وللمال، وللعرض.
القسم الثاني: الحقوق الخاصة: وهي حقوق تختص بفئات الناس وتراعي خصوصية كل منها واختلاف طبيعتها عن الأخرى مثل: كفالة الإسلام لحقوق المرأة في جميع مراحل عمرها، وكفالة الإسلام لحقوق الطفل، و كفالة الإسلام لحق المسنين،وكفالة الإسلام لحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة. وغيرها كثير من الحقوق الخاصة مثل: حقوق الأسرى، والمساجين، والمرضى، والفقراء، والغارمين، والمعاهدين، والمشركين.
إذن فالإسلام في تشريعه لحقوق الإنسان، سبق ما سطّره البشر اليوم من إعلانات ومواثيق، تكفل للإنسان هذه الحقوق. فالعدل، وحرية المعتقد والتفكير، والمساواة، وما أعطاه الله للإنسان من كرامة على سائر المخلوقات، كلها من مقاصد شريعتنا السمحاء. وما نراه اليوم من تعدي علي هذه الحقوق في مجتمعاتنا الإسلامية، إنما هو خلل في أهل الشريعة لا في الشريعة نفسها.
إن حقوق الإنسان بالمفهوم الشرعي الإسلامي تستند في مرجعيتها وشرعيتها لخالق الإنسان الذي خلق الخلق، فالخالق أعلم بما يصلح به شأن مخلوقاته. فهي على هذا: حقوق مقدسة، وهي أمانة في أعناق أولي الأمر بدرجة أولى، ثم في أعناق باقي المكونات البشرية للمجتمع المسلم. وربانية هذه الحقوق يعطيها الشمول والإيجابية.
فحقوق الإنسان في الإسلام تمثّل قيمة مركزية ملزمة، بخلاف ما شرعه الإنسان من مواثيق دولية، فهي لا تتعدي أن تكون مجرّد توصيات وقوانين أدبية، لا يمكن الإجبار عليها إذا تم التنازل عنها.
حق حرية الاعتقاد والتفكير.
إن احترام إرادة الإنسان في اختيار ما يراه من معتقد، وكفالة الإسلام لحرية الأفراد الدينية، هو مبدأ تتجلى فيه مظاهر تكريم الإنسان في أوضح صوره. وقد تنزلت نصوص الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم تدعم مبدأ عدم الإكراه في الدين، وتبين أن الاختلاف عن الدين سنة جارية بين البشرية منذ الأزل، ولو أراد الله للبشرية أن لا يتخلف أحد منهم عن الإيمان لكان ذلك ولكنه لم يفعل! قال تعالى: ((وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) (سورة السجدة: الآية 13).
فالإسلام واضح وصريح في عدم إكراه كل من اعتقد دينا آخر غيره، أو الضغط عليهم- دون اعتبار للوسيلة- لترك معتقداتهم واعتناق الإسلام. ولكن هل معنى هذا أن يعترف الإسلام وأهله بباقي الأديان الإلهية الأخرى - اليهودية والنصرانية – بعد نسخ رسالاتها بالرسالة المحمدية الخاتمة!؟ وهل يمكن اعتبار هذه الأديان بعد تحريفها على حق فنقرّهم عليها من باب الإيمان بالحرية الدينية؟!.
إن التمتع بحرية الاختيار والإرادة في اعتناق أي دين هو مكسب فطري أقرّته كل الشرائع وعلى رأسها الشريعة الإسلامية الخاتمة، ولكن هذا لا يعني كما مر معنا أن يقر الإنسان على اختياره إن كان مجانبا للدين الحق والعقيدة الإسلامية الصحيحة.. فبعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لا وجود في التصور الإسلامي، ولا في اعتقاد المسلم إلا الإسلام، وهذا ما ينص عليه القرآن نصا صريحا لا تأويل فيه، قال تعالى: ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) (سورة آل عمران: الآية 85).
إن لأهل الكتاب خصوصية في شريعة الإسلام، ومظاهر احترام حريتهم الدينية كثيرة أهمها أن الإسلام يسمح بتعايش مختلف الأديان داخل دياره مع ضمان الحرية لأصحاب هذه الأديان في المحافظة على معتقداتهم، وممارسة شعائرهم التعبدية، وحرية تصرفاتهم المدنية، وكل ذلك تحت قاعدة " لهم ما لنا وعليهم ما علينا". ولم يشهد أهل الكتاب – يهود ونصارى- أفضل مناخات حريتهم الدينية إلا في ظل عيشهم داخل المجتمع الإسلامي..فكلا الفريقين قد
شهد مذابح فضيعة في تاريخهم وقد كانت هذه المذابح ترتكب تارة بيد أحدهما على الآخر كما فعل اليهود مع النصارى زمن المسيح عيسى ابن مريم-عليه السلام- وما بعده من أزمان. وكذلك محاولات الإبادة التي تعرض لها اليهود على يد الآشوريين والرومانيين.
وفي مقابل ذلك نجد أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم منذ بداية وضع أول لبنات في صرح الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة يقر في دستورها بالحرية الدينية ليهود المدينة، ويعترف لهم بأنهم يشكلون مع المسلمين أمة واحدة.
ونلحظ كذلك قيمة الحرية الدينية لأهل الكتاب من خلال كثير من الآيات القرآنية التي حاورت أهل الكتاب وناقشتهم في معتقداتهم ومواقفهم المنحرفة الضالة.. فالحوار الديني من أسسه حرية التعبير، فالمحاور لا قيد عليه في إبداء رأيه الديني في المسائل المطروحة في الحوار.
حق المساواة - في المواطنة- مع المسلمين .
لقد جسد رسول الله صلي الله عليه وسلم معنى المساواة لغير المسلمين مع المسلمين بدولة الإسلام الأولى بالمدينة، وذلك منذ بداية دخوله لها بعد الهجرة .. ووضع دستوراً وقانوناً(صحيفة المدينة) وضمنه جملة الحقوق والواجبات على أساس المواطنة الكاملة يتساوى فيها المسلمين مع غيرهم من ساكني المدينة وما حولها من القرى التي تتبعها."وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم" ، "وان يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأثم" (انظر نص الصحيفة آخر الورقة).
يقول الإمام علي – في فترة خلافته – عن حقوق غير المسلمين في دولته: "فإنما أعطوا الذمّة [أي الجنسية] ليكون لهم مالنا، وعليهم ما علينا". وهذا المعني من الأخوة الوطنية وما تستوجبه من حقوق هو الذي أكد عليه علماء الإسلام فهماً وتطبيقاً.
إذن فمواطني دولة الإسلام لا مكان للتفاضل بينهم بعقيدة، أو لون، أو جنس، أو عرق.. فالجميع سواسية أمام القانون من حيث المواطنة وما تعلّق بها من أداءٍ للحقوق والواجبات (أنظر نص الصحيفة آخر الورقة).
وهذه المساواة إنما تنبع: من وحدة الأصل الإنساني:(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)) [النساء/1]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا فضل لعربي على عجمي، ولعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود، إلا بالتقوى) [من خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم بحجة الوداع]. وتنبع من تكريم الله لأبناء آدم جميعاً، قال تعالي: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)) [الإسراء/70]
حق المشاركة بالعمل السياسي والوظائف العامة.
تعطي المواطنة صاحبها الحق في المشاركة في بناء الدولة التي رعته، ومنحته شرعية الانتماء إليها.. وتولي الوظائف العامة في الدولة المسلمة ليس حكراً على طائفة دون أخرى، وإسناد الوظائف إنما يخضع لمعيار الكفاءة، والأمانة، والقوة. قال تعالى:((قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)) [القصص/26]. إذن فلا مانع من تولي غير المسلمين أو أهل الذمة الوظائف العامة ، بموجب حق المواطنة، وبحكم كون "الإسلام" ليس شرطاً في كثير من الوظائف. بل أن هذه المشاركة واجبة في حقهم لما فيها من فائدة بإبداء الرأي وبناء المجتمع ورقيّه. فيحق لهم مثلا المشاركة في المجالس النيابية المنتخبة، وتمثيل طائفتهم بهذه المجالس، ولا يوجد ما يمنع ذلك. كما يحق لهم انتخاب رئيس الدولة، لأن ذلك حق دستوري لكل مواطن بالدولة.
إن هذه القاعدة العامة في جواز تولي الوظائف العامة من قبل حاملي الجنسية من غير المسلمين بالدولة المسلمة، ليست قاعدة مطردة، بل هناك استثناءات؛ حيث يرى الفقهاء ومن ورائهم المفكرين المعاصرين المهتمين بالفقه السياسي؛ عدم جواز تولي هذا الصنف من مواطني الدولة الإسلامية، بعض الوظائف السياسية السيادية داخل الدولة المسلمة، مثل: الإمامة الكبرى، وقيادة الجيش، ورئاسة الوزراء.. كما لا يجوز لهم تولي الوظائف ذات العلاقة بالتخطيط العلمي الإستراتيجي للدولة، وتوجيه دوائر الحكومة؛ لخطورة هذا المناصب المذكورة.. فالإسلام شرط أساسي لتولي هذه المناصب والوظائف الحساسة.
فغير المسلمين إذن يمكن أن يوظفوا ضمن الوظائف التنفيذية فقط كما قرر ذلك أهل العلم والفكر في الإسلام.
حق العدالة.
جعل الله "العدل" صفة من صفاته – عز وجل- ، و"العدل" مبدأ قرآني أصيل، حيث أمر به الله في آيات كثيرة مثل قوله تعالي: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْن وَالْأَقْرَبِينَ))[النساء/135]، ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)) [النحل/90].
والمتتبع لآيات القرآن يجد أن "العدل" ومعانيه، وردت موزعة لتدل تارة على العدل مع الله في حسن الاعتقاد، ؛ وتارة علي العدل في الحكم؛ وتارة علي العدل في الشهادات ؛ وتارة تدل على العدل في شؤون الأسرة ؛ وتارة تدل علي العدل في الصلح بين المتخاصمين ؛ كما تؤكد آيات أخرى على وجوب العدل في القضاء بين الفرقاء ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)) [المائدة/8]. يقول الطبري في تفسيره للآية: ""أي ليكن من أخلاقكم وصفاتكم، القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم، وأفعالكم، فتجاوزوا ماحددت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم، ولا تقتصروا فيماحددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلي حدي، واعملوا فيه بأمري".[انظر تفسير الطبري للآية]
وسنّ- صلى الله عليه وسلم – لولاة الأمر سنة في وجوب المحافظة علي هذا الحق في العدالة بين رعايا الدولة المسلمة على اختلاف مرجعياتهم العقدية والمذهبية، حيث أرسى- صلي الله عليه وسلم – أول مجتمع إنساني في تاريخ البشرية جسّد فيه معاني المساواة بين أبناء الدولة المسلمة بالمدينة، وما حولها من قرى، على أساس العدل والبر، والآصرة الإنسانية.
إن الإسلام لم يأت ليحكم فقط المسلمين (أمة الإجابة)، بالعدل والإحسان، وإنما ليحكم جميع الناس (أمة الدعوة) ضمن مجتمع عالمي يقوم على العدل، والبر، والإحسان لقوله تعالى في حق غيرالمسلمين:((أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)) [الممتحنة/8].. وكلنا نعلم أن الإسلام دعوة ورسالة عالمية: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) [الأنبياء/107].
فالعدل والبر بموجب آية الممتحنة السابقة يعتبر فريضة حتى مع العدو.
الحقوق المالية .
إننا لو حصرنا ما يتوجب لغير المسلم بدولة الإسلام من حقوق مالية، لوجدناها تتمثل في أهم الحقوق الآتية:
1/ حق اعتبار حكم أمواله هو نفس حكم أموال المسلمين من حيث الحرمة.
2/ حق مباشرة مختلف التصرفات المالية.
3/ حق العمل والإنتاج تحصيلاً للرزق: ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)) [الملك/15]، فكل مواطن واجب عليه توظيف مصادر الثروة، ووسائل الإنتاج لمصلحة الأمة.
4/ حق إعطائه أجره المكافئ لجهده، دون حيف عليه أو مماطلة. وقد جاء في الحديث الشريف: (أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) (رواه البيهقي في سننه).
5/ حقه في أن توفر له حياة كريمة تتناسب مع ما يبذله من جهد وعمل على قاعدة: (الرجل وبلاؤه، الرجل وحاجته).
6/ حق التمتع بكفالة الدولة حال العجز عن العمل، أو فقده، أو لا يسدّ هذا العمل
حاجته.. ويذهب أهل الفقه إلي أحقية الذمّي أن يقاضي الدولة إذا غفلت عن هذا الحق، ويلزمها به إن تحققت شروطه.
7/ حق أن يصرف له من بيت المال، لأن مداخليه غير مقصورة على أموال الزكاة، بل نجد أن الزكاة نفسها يمكن أن تشمل بعضهم ضمن مصارفها من جهة لو أنهم فقراء، أومساكين، أو غارمين، أو أبناء سبيل، أو تأليفاً لقلوبهم.
8/ حق التملك الفردي، إذا أنه فرد ضمن دولة الإسلام، ومكفول له هذا الحق
شأنه شأن باقي المسلمين بالمجتمع المسلم، بما لا يتعارض مع مصلحة الجماعة.
9/ الحق في نصيبهم من مال الأغنياء إن كانوا فقراء.. وهذا حق ليس للحاكم أو غيره أن يعطله أو يمنعه عنهم بموجب قوله تعالي: ((وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)) [الذاريات/19]؛ فالآية لم تحدد هوية هذا السائل والمحروم.
الحقوق الاجتماعية .
تتمثل أهم هذه الحقوق في الآتي:
1/ حق التعليم: قال تعالي: ((وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)) [البقرة/31]. فالله سبحانه خلق آدم وعلّمه، فوجب ذلك علي أبنائه من بعده.
2/ الحق في العلاج عند المرض: إذ أن حفظ النفس، والعقل، والجسد من الكليات الخمس التي أوجبتها شريعتنا على جميع الناس ورسالة الإسلام للناس كافة.
3/ الحق في السكن: من حيث توفيره ، ثم حقّه في حرمة هذا المسكن، فلا يجوز لأحد أن يتجسس عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تفاخروا وكونوا إخوانا). وكذلك لا يجوز أن يتسوّر أحد عليه بابه مهما كانت العلّة لحرمة السكن، أو أن يدخل عليه بيته دون إذنه لقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) [النور/27]
4/ حق إقامة وتكوين أسرة: فالتزاوج بين الذكر والأنثى أمر فطري لدى كل المخلوقات، ومن عطل هذا الحق على أي إنسان مهما كان دينه أو جنسيته أو لونه فقد عطل حكم الله في قوله تعالي: ((وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) [الروم/21].
5/ حرية التنقل والارتحال داخل حدود الوطن، دون رقابة أو تضييق. كما أن له حق الهجرة خارج الوطن والعودة إليه متى ما أراد ذلك.
6/ حق التمتّع بالمرافق الضرورية التي يحتاجها كل مواطن: من نور، وماء، وهاتف للاتصال، وتوصيلات الغاز.. وغيرها من الخدمات العمومية.
7/ حق عدم الإجبار على ترك الوطن بدون سبب شرعي، بدعوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاهم وأخرجهم من المدينة وأجلاهم منها. فهذا قول باطل لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم إنما غزاهم وأجلاهم من المدينة لنقضهم العهد (بموجب الصحيفة) وخانوا المجتمع والدولة التي آوتهم؛ ولو أن جماعة من المسلمين بالمدينة بدرت منهم تلك الخيانات، لكان مصيرها أشد من مصير اليهود.
الخاتمة
أولا: النتائج.
1/ المواطنة بالمفهوم الشرعي الإسلامي، ترتفع عن كل الفوارق: دينية كانت، أو قومية، أو لغوية، أو غيرها مما تمايز به الإنسان وتفاخر على أخيه الإنسان على مرّ العصور. فالمواطنة اسم جامع لأبناء المجتمع الإسلامي مسلمين كانوا أم غير مسلمين. فالجميع (أهل وطن)، تجمعهم (أخوة وطنية) على اعتبار أنهم جميعاً(أهل دار الإسلام)، وإن اختلفت مللهم.
2/ الأخوة الوطنية والمعايشة لغير المسلمين في وطن واحد لا تعطيهم الأفضلية في المحبة والولاء عن باقي المسلمين.
3/ حقوق الإنسان في الإسلام تمثل قيمة مركزية ملزمة، بخلاف ما شرعه الإنسان من مواثيق دولية، لكفالة هذه الحقوق الإنسانية، فهي لا تتعدي أن تكون مجرّد توصيات وقوانين أدبية، لا يمكن الإجبار عليها إذا تنازل عنها صاحبها.
4/ الإسلام في تشريعه لحقوق الإنسان، سبق ما سطّره البشر اليوم من إعلانات ومواثيق، تكفل للإنسان هذه الحقوق. فالعدل، وحرية المعتقد والتفكير، والمساواة، وما أعطاه الله للإنسان من كرامة على سائر المخلوقات، كلها من مقاصد شريعتنا السمحاء.
5/ تكريم آدم عليه السلام هو تكريم لسلالته وذريته جمعاء. والناس في نظر الدين متماثلون في مبدأ إنسانيتهم، لأنهم يصدرون في مبدأ خلقهم عن أصل واحد، وهم متساوون في مقام العبودية لله، فالجميع سواء: بعضهم من بعض، ولا فضل لأحد على أحد من حيث أصل وجوهر وجودهم.
6/ لأهل الكتاب خصوصية في شريعة الإسلام، ومظاهر احترام حريتهم الدينية كثيرة أهمها أن الإسلام يسمح بتعايش مختلف الأديان داخل دياره مع ضمان الحرية لأصحاب هذه الأديان في المحافظة على معتقداتهم، وممارسة شعائرهم التعبدية.
7/ حق المساواة ينبع: من وحدة الأصل الإنساني، ثم من تكريم الله لأبناء آدم جميعاً.
8/ المشاركة السياسية واجبة في حق غير المسلمين بدولة الإسلام لما فيها من فائدة بإبداء الرأي وبناء المجتمع ورقيّه.
9/ أرسى- صلي الله عليه وسلم – أول مجتمع إنساني في تاريخ البشرية جسّد فيه معاني المساواة بين أبناء الدولة المسلمة بالمدينة، وما حولها من قرى، على أساس العدل والبر، والآصرة الإنسانية. وقد سنّ- صلى الله عليه وسلم – بذلك سنّة لولاة الأمر في وجوب المحافظة علي هذا الحق في العدالة بين رعايا الدولة المسلمة على اختلاف مرجعياتهم العقدية والمذهبية.
10/ الشريعة الإسلامية تبيح لغير المسلم (المواطن بدولة الإسلام) أن يتحاكم وفق شريعته إذا كانت قضيته مع غيره من أبناء ملته، وهذا منتهي العدل. وهي شريعة تلاحظ أدق مشاعر الإنسان في جميع الأحكام التشريعية، ولو خالفت ديانة هذا الإنسان دين الإسلام.
11/ تكفل الشريعة الإسلامية لغير المسلمين من مواطني دولة الإسلام جملة من الحقوق الاجتماعية مساواةً لهم مع إخوانهم المسلمين، تستقيم معها حياتهم وتستقر داخل المجتمع المسلم.
ثانيا: التوصيات.
نظرا لأهمية هذه المسألة المطروحة بالورقة في الفكر والفقه السياسي الإسلامي أرى أهمية التوجه بالتوصية:
أولا: إلى علماء وفقهاء الأمة على اختلاف مذاهبهم الفقهية الالتقاء في مؤتمر جامع، وضرورة حسم مفهوم المواطنة باعتبارها مسألة لها أبعادها: الدينية الشرعية، والقانونية، والسياسية، والثقافية، والاقتصادية؛ وكذلك ضرورة التأصيل لها، وصياغة نظريتها برؤية فقهية قانونية إسلامية، تجيب عن كل الأسئلة في هذه المسألة، وتنظم العلاقة بين مواطني المجتمع الإسلامي على اختلاف مكوناتهم الإنسانية والعقدية، وضبط ما على الجميع من حقوق وواجبات، في إطار من المساواة والعدل بين الجميع.
وأحسب أن نجاح هذا المشروع مرهون نجاح تنفيذه إلا بعمل مؤسساتي، تتوحد فيه العطاءات والجهود، وتحترم في إرادة وحرية كل أبناء دولة الإسلام مسلمين وغيرهم. وتوحّد الفهم في هذه المسألة بلاشك سيكون فيه خير كثير لمجتمعاتنا.
ثانيا: إلى من يتحملون مسؤولية حكم البلدان الإسلامية، أن يلتزموا بحدود شريعة الله ما استطاعوا في إدراة شؤون بلدانهم، وعدم ترك أيّ ثغرات ناجمة عن عدم مساواة وعدالة بين رعيتهم، فيفتح الباب بذلك لشق الصف بين أبناء الوطن الواحد. وأؤكد هنا على احترام حرية كل أبناء المجتمع الإسلامي في التفكير، وعدم إتاحة ذلك لجماعة دون الأخرى.
ثالثا: لمواطني (دار الإسلام)، أن يستحضروا في علاقاتهم مع بعض أن يلتقون في نسبهم لأصل واحد، وهذا النسب يستوجب خاصة على المسلمين أن يعاملوا غيرهم من غير المسلمين على أنهم إخوانهم فيحسنون لهم لعل ذلك يكون سببا في هدايتهم، والمسلم إنما هو حامل للخير والنفع والسلام لكل البشر لعالمية رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
انتهى بحمد الله وتوفيقه