الدعاء
التاريخ : 31/05/2017

إن لكل شيء قِواماً تنتظم عليه أموره، وكما أن قِوام المرء عقله ومخه كذلك العبادة قوامها مخها، ولكن ما هو مخ العبادة؟! يقول النبي(ص): «الدُّعاءُ مُخُّ العِبادَةِ»، فالعبادة لا تقوم إلا بالدعاء بل يمكن القول إن الدعاء هو عين العبادة كما صرح النبي (ص) أن أفضل عبادة أمته بعد قراءة القرآن الدعاء ثم قرأ الآية المباركة: ﴿وَقالَ رَبُّكُمْ ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلونَ جَهَنَّمَ داخِرينَ﴾(غافر:60)، فالله سبحانه وتعالى سمَّى الدعاء عبادة وترْكَه استكباراً!! وبالدعاء يُظهر العبد مسكنته وفقره وفاقته وذل عبوديته لرب الأرباب، فالله جلّ شأنه غني حميد وجواد كريم له خزائن السماوات والأرض ومع علمه بما يريد عبده إذا دعاه إلا أنه سبحانه يحب أن يُسأل ويُطلب ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ....﴾(الفرقان/77)، والدعاء وسيلة وأحد الطرق للتقرب إلى الله تعالى والارتباط به سبحانه، فعن الصادق(ع) أنه قال:«عَلَيْكُمْ بالدُّعاءِ فَإنَّهُ لا تُقَرَّبونَ بمِثلِه»، وقال أبو الحسن موسى بن جعفر (ع):«عَلَيْكُمْ بالدُّعاءِ فَإنَّ الدُّعاءَ للهِ والطلَبَ إلى اللهِ يَرُدُّ البَلاءَ وقَدْ قُدِّرَ وقُضِيَ ولَمْ يَبْقَ إلا إمْضاؤه فإذا دُعِيَ عَزَّ وجَلَّ وسُئِلَ صَرْفَ البَلاءِ صَرَفَهُ»، ولا يمنع الإيمان بالقضاء والقدر المبالغة في الدعاء والاجتهاد فيه، وكما أن الله سبحانه وتعالى فتح لعباده باب الدعاء فقد فتح لهم بالمقابل باب الاستجابة كما في قوله ووعْده: ﴿ادْعُونِي أستَجِبْ لَكُمْ﴾. وللدعاء مراتب فدعاء العامة بالأقوال (أي باللسان دون القلب) ودعاء العابد بالأفعال (أي بالمراقبة في الأفعال) ودعاء العارف بالأحوال (أي أنه سائل ربه بذاته ووجوده) وهي أتم أنواع الدعاء. وقد حدّدت النصوص الاِسلامية آداباً للدعاء وقررت شروطاً، لابدّ للداعي أن يراعيها كي يتقرّب إلى خزائن رحمة الله تعالى وذخائر لطفه، ويتحقّق مطلوبه من الدعاء، وإذا أهملها الداعي فلا تتحقّق له الاستجابة المرجوة من الدعاء ولا تحصل له نورانية القلب وتهذيب النفس وسمو الروح المطلوبة في الدعاء. وفي ما يلي بعض هذه الشروط والآداب: 1-الاقبال على الله: من أهم آداب الدعاء هو أن يقبل الداعي على الله سبحانه بقلبه وعواطفه ووجوده، وألا يدعو بلسانه وقلبه مشغول بشؤون الدنيا، فهناك اختلاف كبير بين مجرد قراءة الدعاء وبين الدعاء الحقيقي الذي ينضمّ فيه القلب بانسجام تامّ مع اللسان، تهتزّ له الروح وتحصل فيه الحاجة في قلب الانسان ومشاعره. قال الامام الصادق (ع): «إن الله عزوجلّ لا يستجيب دعاء بظهر قلبٍ ساهٍ، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثمّ استيقن بالاجابة». 2- الاضطرار الى الله: لابدّ للداعي أن يتوجه إلى الله تعالى توجّه المضطر الذي لا يرجو غيره، وأن يرجع في كلِّ حوائجه إلى ربه، ولا ينزلها بغيره من الاَسباب العادية التي لا تملك ضراً ولا نفعاً ﴿ قُلِ ادعُوا الَّذينَ زَعمتُم من دونه فلا يملكون كشف الضُّرِّ عنكم ولا تحويلا ﴾ (الاسراء:56). فإذا لجأ الداعي إلى ربه بقلب سليم وكان دعاؤه حقيقياً صادقاً جاداً، وكان مدعوّه ربه وحده لا شريك له، تحقق الانقطاع الصادق بالاضطرار الحقيقي إلى الله تعالى الذي هو شرط في قبول الدعاء ﴿ أمَّن يُجِيبُ المُضطرَّ إذا دعاهُ ويكشِفُ السُّوءِ ﴾ (النمل:62). 3-اليقين بإجابة الدعاء وأنه سميع مجيب والثقة به: فقد قال رسول الله (ص): «ادْعُوا اللهَ وأنتُم موقِنونَ بالإجابَةِ!!» وقال (ص) أيضا: «ما مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعو اللهَ بدُعاءٍ إلا يَسْتَجيبُ له فإمَّا أن يُعَجَّلَ في الدُّنْيا وإمَّا أن يُدَّخَرَ لِلآخِرَةِ وإمّا أنْ يُكَفَّرَ مِن ذنوبِهِ!!». 4-الصدق والاخلاص في التوجه إلى الله تعالى. 5-حسن التأدّب بين يديه بأدب العبد الخاضع الذي يرجو نظرة ربه ولطفه ورحمته. ولو الانسان اتبع شرائط الدعاء لله سبحانه وتعالى وآدابه لوجد أن الدعاء لا يخلو من الشواهد والآثار الروحية والنفسية التي ينشدها كل مؤمن سالك إلى الله عزَّ وجلَّ، ومن جملة هذه الآثار ما يلي: الأثر الأول: حينما يتحد القلب واللسان في الدعاء إلى الله ويكون خالصا لله سبحانه وتعالى يشعر السالك أن العالم كله محضر الله وأنه في مشهد الله وضيافته فيشعر بالاطمئنان والراحة. الأثر الثاني: أن الدعاء ينهى عن الفحشاء والمنكر كما هو الحال في الصلاة لأن الصلاة مناجاة مع الرب ووسيلة لذكر القلب ومَن توحَّد ظاهر صلاته بباطنها فقد وصل إلى حقيقة آثار الصلاة وهي الابتعاد عن الفواحش والمنكرات وكذلك الدعاء. الأثر الثالث: لكل عبد ضالة لا يزال يطلبها، والإنسان حينما يصل إلى مقام الدعاء عند العارفين فقد وجد ضالته ووصل إلى مخ العبادة فيشعر بالارتياح. الأثر الرابع: الخلاص من الهموم والغموم والاضطرابات النفسية والروحية السابقة وعدم التأثر بالعُقَد اللاحقة، فلِمَ الخوف والحسرة والتأسف وهو يعلم أن الله سبحانه وتعالى دائم في ملكه ومن كان رازقا بالأمس فهو رازق في المستقبل!! الأثر الخامس: حينما يدعو الإنسان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا ويجعلها جنبا إلى جنب كقوله مثلا: «يا عَلِيُّ يا عَظيمُ يا غَفورُ يا رَحيمُ أنتَ الرَّبُّ العَظيمُ الَّذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيْءٌ وهُوَ السَّميعُ البَصيرُ» أو أمثالها ويلتزم بها تدخل في قلبه روح تلك الأسماء والصفات كالقدرة والشجاعة والرحمة الخاصة، وكلما تقرب إليها تجلت له حقائق تلك الأسماء أكثر فأكثر حتى يصبح مظهرا لأسماء الله وصفاته. ويقول العرفاء أن الدعاء لسان الاشتياق ورسالة المشتاقين، أما سمعتم أو رأيتم كيف يكتب العاشق رسالة حب إلى معشوقه!! كذلك المشتاق إلى زيارة جمال رب العالمين يراسل ربه بالدعاء، فالدعاء رسالة السالك العاشق المشتاق إلى سيده ومولاه ومعشوقه الحقيقي الأزلي وهو ذات الله سبحانه وتعالى. الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي
Share |
تعليقات
الاسم:  
التعليق: