تطور وثائق حقوق الانسان في الثقافة الإسلامية
التاريخ : 25/08/2014
الكاتب : دكتور. غانم جواد

 

لم تدون كتب الفقه الإسلامي أو الكتابات السياسية الإسلامية أبوابا مختصة بحقوق الإنسان كما هو متداول الآن، وإنما شرعت في مجموعة آيات قرآنية متعددة متناثرة في المحكم المجيد، وفي أقوال وأفعال وممارسات النبي(ص) والأئمة، وإبداعات المفكرين المسلمين التي ُسطرت في كتب التراث والثقافة الاسلامية.

يوضح البحث فكرة حقوق الانسان، طبقاً للفهم الاسلامي للحقوق والحريات، التي وردت في العديد من المدونات الإسلامية عالجت قضايا الحقوق كما وردت في مضامين المصادر الأساسية، للثقافة الإسلامية القران الكريم والسنة النبوية، وكذلك في نصوص واضحة صادرة من أئمة أو خلفاء أو علماء لهم إسهاماتهم في صناعة التاريخ المعرفي الاسلامي. والوثائق المختارة عبارة عن مجموعة من النصوص المتعلقة بحقوق الانسان، المثبتة في متون واضحة، أما في رسالة صحيحة السند، وجهها فقيه أو مفكر، للحاكم أو للأمة، أو إنها وردت   على هيئة وصايا من إمام أو خليفة، أو نص بحثي كامل لعالم ذكرته المراجع الثقافية الإسلامية. وللنص أهمية كبيرة في تكوين الوعي والثقافة في مجتمعاتنا الإسلامية، باعتباره المقولة المحورية التي تدور حولها ثقافتنا. وبعض الوثائق التي تم اختيارها، شكلت لبنات أساسية في بنية النظام الأخلاقي والحقوقي الإسلامي. كما ساهمت العوامل التالية بصدور البعض الآخر :

1- إفرازات اتصال الحضارة العربية - الإسلامية بالحضارات الأخرى في عصر الفتوحات، وازدهار الحضارة الإسلامية وما بعدها.

2- الدور الكبير لأئمة المسلمين، وعلماء المعارضة الفكرية والسياسية للخلفاء والسلاطين. رسخت وطالبة بتحقيق فكرة العدالة والمساواة بين الرعية(الشعب).

3- مواكبة المتغيرات الدولية، ومستجدات الحياة دفعت بالعديد من المؤسسات المعنية بشؤون المواطن في العالم العربي- الاسلامي لإصدار وتطوير بعض الوثائق الحقوقية.

 

وسيلاحظ في الوثائق المختارة، دورها في رفد الحضارة الإنسانية، فالحضارات هي أخلاط خصبة، ولا توجد حضارة نقية خالية من التأثيرات، كما لا توجد حضارة بدئت من الصفر، وكل حضارة نشأت من استعارات، وتداخلات متبادلة، تأثرت بما قبلها، وأثرت فيما بعدها، فشكلت تراثاً إنسانيا مفعماً بالحيوية والتعددية. من هنا نتفهم الرفض المتزايد للتطرف الحضاري، القاضي بفرض ثقافة محدده، تهيمن على مفهوم واحد لحقوق الإنسان. وإنما ننجذب الى التيار المتنامي، لاعتبار قيم حقوق الإنسان، نتاج إنساني مشترك، نجد معظم مبادئه في صلب عادات، وتقاليد واعراف وقيم الشعوب ودياناتها، وان اختلفت في مرجعيتها الفكرية. مع التفهم للظروف والأحداث والمبررات التاريخية واختلال ميزان القوى الدولية المؤثرة، التي مرت بها تلك الشعوب (المتفقة في الهدف والغاية)، أبان صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومشتقاته ألاحقة.

 

والبحث يبين صعود الوثائق لدرجات سلم التطور، ودورها في إثراء التجربة الإنسانية. وسيلاحظ في البداية عرض الحقوق ونوعيتها، المتسمة بالعمومية والإطلاق في مرحلة ما، وارتقائها الى مرحلة تسمية الحقوق وتفصيلها، ومن ثم طريقة معالجة قضايا ومشكلات الإنسان وحقوقه، وعلاقاته مع المجتمع والدولة، وسنجد صعود الوثائق لدرجة أرقى، تتمثل في إنشاء المؤسسات البسيط التركيب لحماية تلك الحقوق. وننتهي بالإعلانات الحديثة.   

وسنرى أيضاً تطور اللغة واستعمال مفرداتها، في السياق تأريخي لعرض الحقوق، عبر المراحل التطورية الخمس التي افترضتها، بدأً من ظهور الإسلام الى يومنا الحاضر.      

 

تهدف الدراسة إلى استكشاف وعي معرفي حقوقي - إسلامي مشتق من التراث، ومن الانعكاس التطوري لتك الوثائق التراثية على الإصدارات الحديثة من إعلانات، ومواثيق وقرارات عن مؤسسات ومؤتمرات إسلامية، بشكل لا نستشعر بالهزيمة من المفاهيم الحقوقية الحديثة، وفي الوقت نفسه لا يستدعى ما دون في التراث الثقافي الديني، لحل كل مشكلات الواقع الجديد بكل تشابكاته وتعقيداته، الذي تعيشه الأمة حالياً، إنما هي نصوص قابلة للاجتهاد، واستنباط أحكام تستجيب لقضايا الساعة، منطلقه من البعد الإنساني ومقاصد الدين الإنسانية.

 

الاستخلاف الإلهي للإنسان على الأرض مصدر كل الحقوق

 

يرتكز التأصيل الإسلامي لمفاهيم حقوق الإنسان على أساس قاعدة فكرية ذات اتجاهات فلسفية وأخلاقية تعتبر الإنسان مخلوقاً مكرماً من الله تعالى، خُلق في أحسن تقويم، ومُنح العلم والحكمة، وفُضل بالعقل على سائر المخلوقات، واستُخلف لعمارة الأرض. وجعل اللّه تعالى الحرية أمراً فطرياً تولد مع الإنسان، تحرره من العبودية للآخرين والضغوط والمؤثرات وتأثير الشهوات، التي تعيق تطوره وتكامله، ضمن التكليف الإلهي المستأمن عليه. انبثقت مفاهيم حقوق الإنسان في الإسلام، على ضوء المرتكزات الأربعة، هي جوهر التعاليم الإسلامية المتمثلة في الاستخلاف والتكريم والإيمان والعمل، والتي تفضي إلى الحرية والمساواة والعدل والشورى. وربط الإسلام فعاليات الحياة الدنيا بحياة الآخرة في كلٍ متماسك لا ينفصم منطلقاً من النظرة الكلية للكون والحياة، وموقع الإنسان فيهما، ودوره والغاية من وجوده، المتمثل في عبادة الله الخالق بالمعنى الواسع للعبادة (كطلب العلم، والاجتهاد في العمل، وعمارة الأرض بما ينفع الناس، ومجاهدة النفس بمعنى التربية الروحية ...) والمشاركة الحقيقية في إدارة المجتمع، وتحديد معالم النظام السياسي والاجتماعي، انطلاقاً من الشورى والعدالة والمساواة.

يعد القرآن الكريم أول وثيقة إسلامية تشرع حقوق الإنسان عبر آيات متفرقات، اتصفت بالإطلاق والعمومية. كما ورد لفظ الإنسان في القرآن الكريم بالمعنى العام المطلق حوالي سبعين مرة، والسورة السادسة والسبعون في القرآن الكريم تسمى «الإنسان»، وفي بعض الطبعات تسمى (الدهر).

 

·       ولقد كرمنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» (الإسراء/07).

·       لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» (التين/4).

·       وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة» (البقرة/0).

 

عبر هذه الرؤية الإسلامية للإنسان، الذي خُلق ليكون خليفة الله في الأرض، لا يجوز أن يضطهد أو يظلم، أو تسلب حريته أو يعامل بطريقة تميزه على أساس اللون أو الجاه أو العرق أو القومية. ولكي يتمكن من أداء مهمته يستلزم وجود منظومة حقوق، تتناسب وموقع الكرامة المتأصلة في الإنسان، لتوفر ضمانات تتخذ صفة الإلزام الأخلاقية /القانونية من جهة، والقيام بالمهمات التي كلفه بها الله تعالى من جهة أخرى. وتأخذ تلك المنظومة الحقوقية صفة الواجبات الضرورية، التي يلتزم بها الفرد، ولا تستقيم الحياة بدونها، أكثر من كونها حقوقاً مفروضة مجردة، (مثل وجوب العمل، وجوب كفالة العائلة، التعامل مع الآخرين على أساس أفضلية التقوى). وتتمتع هذه الحقوق المكتسبة لصفة (الواجبات) بمصداقية عالية كونها تستند للخالق تعالى، العالم بحاجيات الإنسان الحقيقة. وبذلك فهي ليست ناشئة من الصراع بين المؤسسة الدينية وسلطة الدولة، أو ناتجة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع المسلم، أو نتيجة صراع دامٍ بين الحكام وطبقات الشعب المقهور المختلفة.

 

تم فهرست الوثائق بناءً على التسلسل التاريخي لحركة الإسلام في الواقع. فقد اعتبرتُ:

 أولاً مرحلة النبوة: هي مرحلة تشريع و تدوين للوثائق الإسلامية، المتسمة بكثرتها وحداثتها على المجتمع القبلي، لذا وقع الاختيار على وثيقتين أساسيتين (القران الكريم ووثيقة المدينة أو دستور المدينة) تمثلان توجهات تلك المرحلة. اخترت بعض الآيات لتدعم من نحن بصدده:

1-             وردت في القرآن المجيد مئة وخمسون آية عن الخلق ومشتقات الكلمة، وعن المساواة في الخلقة، كقوله تعالى «يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم» (الحجرات /31).

2-             تحدث المصحف المجيد عن العدل وما يدل عليه، كالقسط والميزان، في أربع وخمسين آية: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان».

3-             النهي عن الظلم والمنكر والفحشاء، وحدد مصير الظالمين في حوالي ثلاثمائة وعشرين آية: « ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار».

4-             أما عن الكرامة والتكريم والمعاني والألفاظ المشتقة من جذر الكلمة، فوردت في نحو عشرين آية كقوله تعالى «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً» (الإسراء /07).

5-             ونص القرآن الكريم على الشورى في آيتين «وأمرهم شورى بينهم» (الشورى/83)، والآية «وشاورهم في الأمر» (آل عمران/951 ).

6-             في موضوع الجبر والإكراه وما يمكن أن ندخله في باب حرية الفكر والعقيدة، أحصى المرحوم الشيخ محمد الغزالي أكثر من مئة آية تتضمن حرية التدين وإقامة صروح الإيمان على الاقتناع الذاتي، وأكثر من عشر آيات عن «الإكراه» منها: «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» (يونس /99)، والآية الشهيرة «لا إكراه في الدين» (البقرة/652).

 

وثيقة دستور المدينة

ومن بين وثائق عدة، أصدرها الرسول الأكرم بعد هجرته واستقراره في المدينة المنورة (يثرب)، كخطبة الوداع، وعهد النبي (ص) لنصارى نجران، وصلح الحديبية وغيرها، اخترت "صحيفة المدينة" المتميزة في معالجتها الإنسانية المتطورة للعلاقة بين التكوينات الاجتماعية والسياسية للمجتمع الأهلي الحديث العهد بالإسلام، وتعد بمثابة الخطوة الأولى لبرمجة الحقوق المدنية والاجتماعية في الإسلام، والمتضمنة المبادئ والأسس الخاصة بالتعايش السلمي بين التشكيلات الاجتماعية التي تؤلف مجتمع المدينة، من المسلمين والنصارى واليهود والقبائل العربية، التي بقيت على وثنيتها ولم تسلم بعد. هذه الوثيقة هي أول إصدار مدني شرعه الرسول (ص)، باعتباره حاكماً ينظم العلاقات الاجتماعية، ويؤسس لانبثاق «الأمة» ذات الصفة التعددية، متمثلة بالقبائل الساكنة في المدينة وما حولها، ما يؤلف نسيجاً اجتماعياً متماسكاً وموحداً ذات المصالح المختلفة، والمتباينة العقائد والأديان، والمنطلقة نحو عالميتها.

ويلاحظ أن «الصحيفة» كتبت بلغة العقود المدنية بين الأطراف الموقعة عليها، والملتزمة بما ورد في الوثيقة المحتوية على بنود التعايش السلمي والتعاون الاجتماعي ووحدة المصير، ليعلن الرسول ميلاد «الأمة» في نواتها الأولى.

 

جاء في البند الأول من الصحيفة:

«هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ، و(أهل) يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة من دون الناس».

وافُترض عهد الخلافة الراشدة ثاني تطور للوثائق وأسميتها مرحلة"التأسيس والبناء"

انطلقت الجيوش الاسلامية لعمليات الفتح الاسلامي بعد وفاة النبي(ص)، ومع اشتداد المعارك والحماسة الدينية، وما رافق الجند من نشوة الانتصار التي قد تنسيهم رسالتهم السمحاء والهدف الأساسي من الفتح الإسلامي، جاء اختياري:

للوثيقة الإنسانية للخلفية أبي بكر الصديق (رض) كمعالجة وتنظم لكيفية معاملة العسكر مع سكان المدن الجديدة أثناء الحرب وبعدها، وما يمكن أن نسميه اليوم «اتفاقيات جنيف لحماية المدنيين»، عبر الالتزام بقوانين المنازعات المسلحة أثناء الحرب وتطويق نتائجها المكلفة إنسانياً، بهدف حماية المدنيين من أن يصبحوا ضحايا مباشرين للحرب. وتهدف تلك الوصايا إلى تأمين حماية الفرد، وصيانة حقوقه في جميع الأوقات، وخصوصاً في زمن هدرها، مثل الحروب والأزمات وحالات الطوارئ.

أورد ابن الأثير في الكامل ما أوصى به الخليفة الأول قائد حملته المتوجه إلى الشام: «انك ستجد قوماً حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما حبسوا أنفسهم له (يعني الرهبان والأحبار)»، ثم قال له: «إني موصيك بعشر: لا تغدر، ولا تمثل، ولا تقتل هرماً، ولا امرأة، ولا وليداً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا ما أكلتم، ولا تحرقن نخلاً، ولا تخربن عامراً ولا تغل، ولا تبخس.

 

 وثيقة العدل للخليفة عمر بن الخطاب (رض)

 مع توسع رقعة الدولة الإسلامية بعد الفتوحات بدأت تتنوع المشاكل الاجتماعية وتتعقد، وظهرت حاجة ماسة إلى تطوير القضاء، بشكل يؤمن سلامة المعاملات وتحقيق العدل بين الناس. وفي هذا الجانب كتب الفاروق(رض) وثيقة إلى أبي موسى الأشعري ضمنها توجيهات بشأن كيفية الفصل في الخصومات، وبعض المبادئ الأساسية في القضاء جاء فيها:

«بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس (أبي موسى الأشعري) سلام عليك، أما بعد:

فان القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فانه لا ينفع حق لا نفاذ له. آس بين الناس بوجهك، وعدلك، ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً.

 

وثيقة العهد للإمام علي بن أبي طالب(ع)

لئن كانت «الصحيفة» قد أرست أسس الاستقرار والتآلف الاجتماعي المبني على قاعدة السلم الأهلي المناع للأزمات الحادة في مجتمع المدينة أبان زمن النبي(ص)، فان عهد الإمام علي بن أبي طالب (ع) لمالك الأشتر يعد تطوراً كبيراً على طريق إدارة وحكم البلدان، التي فتحت ودخلها الإسلام. يرسي بكل وضوح المعالم الأساسية لمهمات الحاكم المسلم وحقوق الرعية، وهي من المستمسكات التي قل التعامل معها وعرضها لجمهور المسلمين، وهذا ما يدفعنا لعرض بعض فقرات العهد.

ولّى الإمام علي مالك الأشتر النخعي مصر عام 93 هجرية، وكتب له عهداً طرح فيه النظرية الإسلامية في كيفية إدارة البلاد وحكمها، وتضمن الوثيقة حوالي 49 بنداً تبين المرتكزات الأساسية للعهد، مثل واجبات الحاكم ومفهوم الأكثرية عند الإمام، والتجارة والصناعة والتنمية، وحقوق الفقراء، ومعاهدات السلام، إضافة لما تضمنه العهد من القواعد التشريعية السياسية والإدارية والقضائية والمالية، والنظريات الدستورية التي تضاهي احدث القواعد حالياً، فقد عالج الإمام أنظمة حفظ التوازن الاجتماعي بين طبقات المجتمع الإسلامي التعددي خصوصاً في البلدان المفتوحة. فيقول في بداية العهد:

يحدد الإمام علاقة الحاكم بالرعية عبر النص الآتي: 

«واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم والعطف فيهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم. فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فانك فوقهم ووالي الأمر عليك والله فوق من ولاك»..

 

    أما المرحلة الثالثة، واصطلحتُ على تسميتها بمرحلة " التقنيين والتفصيل " وهي الفترة الممتدة من انتهاء الخلافة الراشدة حتى تفكك الدولة العباسية، باستيلاء المغول على بغداد سنة( 656هـ)، وسقوط  دولة الموحدين في المغرب العربي أي سنة( 610هـ)، ويشد الانتباه لهذه المرحلة صدور الوثائق والمدونات الأخلاقية ذات الصفة الحقوقية، بخلاف المرحلتين السابقتين من دون تدوين أو صدور مباشر من الخليفة أو السلطة الحاكمة، وإنما أنتجت من قبل فعاليات المجتمع الأهلي بتكوينه البسيط، المؤلف من علماء ومفكرين وتجار ممولين، وحركات معارضة وتجمعات دينية علمية سواء كانت مدارس التعليم الديني أو الحوزات الدينية. المستقلة عن السلطة والمعتمدة في إدارة شؤونها على دعم الأوقاف الشرعية، مما يدل على فعالية ونشاط تلك الفعاليات بعيداً عن هيمنة وضغط السلطة إلا في بعض الحالات.

 لم تطرح مفاهيم حقوق الإنسان كموضوع مستقل بحد ذاته، وكُتبت العديد من المؤلفات والرسائل بعد انفصال المؤسسة السياسية عن المؤسسة الدينية، أبان الحكم الأموي وما بعده، بحيث أصبح الدين وتشريعاته خاضعة لسلطة الخلافة، مستبعدة الفقهاء الذين انشغلوا بتدوين الحديث النبوي،(نهاية القرن الهجري الأول) والتوسع في الفقه الإسلامي، والانشغال في المطارحات الفكرية، المتولدة من حركة الترجمة الواسعة النطاق للكتب الإغريقية مثل مرايا الأمراء، والفارسية كليلة ودمنه وغيرها، التي هيئة نقاشات سياسية/اجتماعية معمقة، ولدت حركه فعالة في فكر وقيم الثقافة السائدة، تركت بصماتها واضحة المعالم في بناء الحضارة الإسلامية، وشرعَ العلماء والفقهاء، يشرحون بالتفصيل هذه المفاهيم والقيم من وجهة نظر دينية، كإقامة العدل والإحسان وتحقيق مصالح المسلمين، وأتباع منهج الشورى في إدارة الحكم، وقبح الاستبداد والظلم، والجهر بالحق وإسداء النصح (حرية الرأي) وحق التعليم وغيرها.

    حفلت المكتبة الإسلامية بمصادر عديدة تستحق الدراسة والتأمل، خصوصاً الكتب التي عالجت الفقه السلطاني مثل: "وصايا العامري" لـ أبو الحسن محمد بن يوسف العامري (ت991م)، والمؤَلف المهم "التبر المسبوك في نصيحة الملوك" للأمام أبو حامد الغزالي (ت1111م)، وكذلك "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"، لأبن أبي إصيبعة (ت1269م)، وكتاب "الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية" لأبن الطقطقي (ت1309م)، وكتاب "تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام"، لأبن جماعة (ت1332م)، أورد في الباب الثاني من كتابه فصل: في ما للسلطان من حقوق وما عليه، " للسلطان والخليفة على الأمة عشرة حقوق، ولهم عليه عشرة حقوق...الخ".

    و كتاب الزياني (ت1388م)، المسمى "واسطة السلوك في سياسة الملوك"، وما كتب أحمد بن عبد الله القلقشندي (ت820هـ)، في "مآثر الخلافة في معالم الخلافة "، و كذلك في "أصول الحكم في نظام العالم"، تأليف حسن كافي الاقحصاري من أهل البوسنة (ت1616م)، وكتاب "الأموال" للأمام أبي عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) يشرح بتفاصيل وافيه ما يمكن أن نسميه بالحقوق الاقتصادية، ويفتتح كتابه بـ "باب حق الإمام على الرعية، وحق الرعية على الإمام)، وكذلك ذهب أبي يوسف القاضي في كتابه "الخراج" الى تأكيد الحقوق الاقتصادية، وغيرها من الكتب ومصادر المعرفة الاسلامية الكثيرة من الصعوبة حصرها وتعدادها .

    ستجد في أي من المؤلفات المذكورة أخبار وروايات وقصص، مواعظ وحكم، وآداب الحكم الواجبة، ورسائل سياسية، كتبها العلماء للسلاطين، يشرحون وجهات نظرهم في كيفية حكم الرعية، وتحقيق العدل وتسهيل أمور العباد، كما تجد فيما ألفَ أولئك المفكرين، مفاهيم واضحة وقريبه جداً من حقوق الإنسان بالفهم المعاصر تضمنت مبادئ إنسانية، كالمساواة وبسط العدل وحفظ النظام والملة(الأمة) وتحقيق مصالح العباد، ومنع الفتن والحروب الأهلية، لدرجة جرى التنظير الفكري والديني لبعض المقولات السياسية، والأساسية لنظم القضاء العادل مثل "أمام عادل خير من مطر وابل" و "أمام غشوم خير من فتنة تدوم"، فمعظم تلك الكتابات جنحت إلى نظرية ربط حقوق الرعية بالسلطة الحاكمة، باعتبارها المدخل لتحقيقها، ولن يتم ضمانها إلا عبر السلطان، ويتجلى ذلك فيما أورده شهاب الدين احمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي(ت938)، في مؤلفه الشهير"العقد الفريد"، حيث يورد في كتاب"اللؤلوة في السلطان حاجة العمران إلى السلطان"، وقد بلغت الحضارة الإسلامية أوج عظمتها، بشكل وصلت فيه إلى قمة التطور الحضاري، وأنتجت خلال تلك الفترة مؤلفات ودراسات متخصصة، ومفصلة بالفقه الاسلامي، والفكر السياسي والسلطاني، كما نظٌرت للخلافة والسلطنة والإمامة. إلا أنها توقفت بعد ذلك عن النمو، لتبدأ فترة مرحلة الأفول والتقهقر ودخول الفترة المظلمة، إلا من بعض الأستثناءات.

خصص أبي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي(ت 520 هـ)، في كتابه "سراج الملوك" معظمه، لموضوعات ما نسميها باصطلاح اليوم، القانون العام، وضعها تحت عنوان السياسات. والكتاب يحوي على أربعة وستين بابا في المواعظ والحكم وتاريخ ثلة من الملوك العظام وقصصاً عن المفكرين، ومنصب رئاسة الدولة وما يحتاج إليه الملوك من الآداب الواجبة على السلاطين والوزراء وصفاتهم الحسنة والسيئة، مع دراسة في الحقوق التي على السلطان تجاه رعيته وتلك التي تجب على الرعية تجاه السلطان. وكيفية إدارة البلاد وفي القضاء والقدر وحكما وأقوالا مأثورة.

   لكن مدونات أخرى تطرقت بالتفصيل لأفكار حقوق الإنسان، وطرحتها من زاوية ثانية(غير حكومية)، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، رسالة الأمام جعفر الصادق(ت 148هـ) في تفسيره لمعنى الولاية، عند جوابه على رسالة عبد الله النجاشي والي الأهواز.

    وكذلك شرحَ عدد من علماء المسلمين، وبالتفصيل الأبعاد الفلسفية من وجود الإنسان، كما نراه في التراث الفلسفي الذي خلفه ابن سينا والكندي والفيلسوف أبو نصر الفارابي في ما كتب عن المدينة الفاضلة، وابن رشد في تلخيصه لكتاب "الجمهورية" لأفلاطون، وابن حزم، وابن المقفع(ت759م)، في بحثين "آداب السلطان، والثاني في صحبة السلطان" والترمذي، وما نص عليه الأمام علي بن موسى الرضا (ت203هـ)، عند توليه لولاية العهد في خلافة المأمون العباسي، من آراء حول إقامة العدل ومنع الظلم والجور عن الرعية، كما أوردها في وثيقة العهد. أورد ابن خلدون(ت 808هـ) في فصل خاص في مقدمته " أن الظلم مؤذن بفساد العمران ".

   وما أنجزه بعض علماء تلك الفترة، من قواعد منهجيه، وأصول تعامل فكرية، إبداعات ومساهمات في التأسيسات النظرية لأدب الاختلاف والحوار والتسامح والتجديد، تُأكد مستوى التطور لحرية التعبير والاعتقاد، فالأمام الشافعي (ت204هـ)، له مقولة جليلة المعنى تنبأ عن مستوى الرقي في أدب الحوار، إذ يقول "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وما نقل عن الأمام مالك صاحب المذهب(ت 180هـ)، قوله "ما حاورت أحدا إلا وتمنيت أن يقر الله الحق على لسانه"، ولا يمكن للباحث أن يتجاهل جهود أبن طفيل، وأبن ماجة، والطبري وغيرهم في هذا المجال. ولا يفوتني الإشارة الى ما كتب السيد المرتضى(ت435هـ)، إلى الوزير الحسين بن علي المعري( سنة415 هـ)، في كتابه "العمل مع السلطان"، وتقسيم السلاطين وكيفية العمل معهم.

   وطور مسألة العمل مع السلطان، وتفعيل الحقوق السياسية بشكل أوسع، القاضي بن البراج الطرابلسي (ت481هـ) في كتابه "المهذب" الجزء الأول، لكن وصايا السيد بن طاووس، لأبنه تفصل في الموضوع أكثر، حول تكوين ونوعية العلاقة مع الحكام، ويمكن الرجوع إليها في كتاب "كشف المحجة لثمرة المهجة" لأبن طاووس الحسني، ووردت مفاهيم متعلقة أو مقاربة لحقوق الإنسان، كأدب الحوار، وقيمة الإنسان وحريته، ونبذ التكفير والدعوة للتسامح، وأسهب أبن الأزرق في شرح أركان الملك القائم على أربع دعائم، هي إقامة الشريعة، وإقامة العدل، والرعاية السياسية، ومشورة ذوي الرأي والتجربة وبذل النصيحة. واعتبر الفقيه عز الدين بن عبد إسلام،  كما أوردها في كتابه "الفوائد في اختصار المقاصد" تحقيق جلال الدين عبد الرحمن، أن الحقوق في الإسلام أربعة هي حق الله تعالى على العباد، وحق لكل عبد على نفسه، وحق لبعض العباد على بعض، وحق للبهائم على العباد، وكتب عدد من العلماء والباحثين الإسلاميين مؤخراً عن حقوق الإنسان، وتأصيل قيمه، مستندين إلى الفقيه المالكي الشاطبي المتوفى (790هـ) في كتابه "الموافقات"، والمتضمن مباحث حول مقاصد الشريعة والغايات و ضرورات المصالح، التي من أجلها شرعت الأحكام.

       انتخبتُ وثيقتان"رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين(ع)"، و"الأحكام السلطانية للقاضي الماوردي"، أوردها كتابه في"باب حقوق الآدميين"، مع شرحٍ يعبر عن التوجهات الثرة والغنية لتلك المرحلة، ومساهمات أئمة وعلماء المسلمين في الارتقاء بمفاهيم ومقاربات لـ حقوق الإنسان. ويمكن مقارنة توجهات كلا الطرفين وكيفية نظرتهما إلى حقوق العباد خصوصاً في بعديها السياسي والمدني.

 

 الوثيقة السادسة رسالة الحقوق

كتب الأمام علي بن الحسين زين العابدين (ت95هـ) رسالة خاصة سميت" رسالة الحقوق" في الثلث الأخير من القرن الهجري الأول بعد رجوعه من واقعة كربلاء المفجعة(61هـ) الى المدنية. تحتوي الرسالة على خمسين حقاً تغطي معظم جوانب الحياة التي يحتاجها المسلم بشكل تفصيلي، وتعطي قيمة الفرد في المجتمع الإنساني، وتعتبر أول مدونة حقوقية قننت وفصلت مفاهيم حقوق الإنسان من وجهة نظر إسلامية بصورة واضحة في الماضي، واعتقادي أن جل المعنيين بالثقافة الإسلامية لم يطلعوا عليها، وربما لم يسمعوا بها، وقد أندهش البعض من وجود مثل هذه الوثيقة، فراح يشكك بها، لدوافع ليس بخافية، مما يدفعنا لتسليط الضوء كي يتم الاطلاع عليها وتدارسها بين المهتمين بالثقافة الإسلامية.

 

الوثيقة السابعة حقوق الآدميين عند الماوردي

ولعل ما تميز به الشيخ أبو الحسن الماوردي( توفي450هـ) في كتابه "الأحكام السلطانية والولايات الدينية" هو الوضوح والدقة في الشرح والتنظير للنهج السياسي للخلافة الإسلامية القائمة، باعتبار أن الفقه السلطاني جاء تقريراً للواقع واستجابةً لمتطلباته وليس تنظيما وتطويراً له، وما سطر من تعليمات ملزمة على صاحب السلطة القيام بها لتحقيق مصالح العباد، ضمنها في فصل بعنوان " الأمر بالمعروف في حقوق الآدميين ضربان عام وخاص". والملاحظ في ما كتبه الماوردي ومن خلفه من بعد أبي يعلى الفراء الحنبلي(ت458هـ) صاحب كتاب آخر بنفس الاسم "الأحكام السلطانية"، وهو نسخة آخر من الكتاب الأول، باستثناء طرق الاستدلال، أنهما اسقطا مبدأ الشورى في فصل حقوق الآدميين، وهذا يقودنا للاستنتاج بأن حقوق الآدميين كما عبرا عنها، مقررة أصلاً في نظرية الخلافة الإسلامية للحكم، ولا تحتاج إلى عملية الشورى لمنحها أو تقريرها للعباد. مما يعد ذلك علامة في تاريخ الثقافة الإسلامية.

 

المرحلة الرابعة- إعادة التأسيس والبناْء

    تبدأ من فترة عصر التنوير والنهضة الإسلامية الحديثة، التي بدأت في أوائل القرن التاسع عشر. أختر وثيقتين تزامن صدورهما في وقت متقارب، وكان لهما تأثير واسع في صفوف الأمة الإسلامية، كتبت بلغة متطورة مقاربة لصياغات و مفاهيم عصر النهضة( الأولى للميزرا النائيني والثانية للكواكبي). كنتيجة للتطورات الكبيرة التي قطعتها البشرية في حياتها، وما وصلت إليه من تقدم وحضارة، دفعت بالمفكرين العرب والإسلاميين الى الاهتمام بتطوير البحوث والدراسات المتعلقة بحقوق الإنسان، خصوصاً بعد صدور الإعلان العالمي العام( 1948) وما قبله.

 

الوثيقة الثامنة رسالة الأمام النائيني

    صاغ في عام 1909 المرجع الشيخ الميرزا محمد حسين النجفي النائيني حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة للبلاد، واعتبار إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، في وثيقته الفقهية التاريخية الموسومة " تنبيه الأمة وتنزيه الملة "، من خلال تطويره واشتقاقه لمفهوم السلطة من فكرة التوكيل المثبتة في باب العقود "فقه المعاملات" فقد أورد في مدونته (أن الشعب لا يستطيع الحكم جميعه فيوكل أحدا، وهذا شبيه بالوكالة في العقود، وبالتالي فهذا التعاقد قابل للفسخ له مده محدده قابلة للتجديد والنقض وغيره). المرجع النائيني أحد فقهاء الحوزة العلمية في النجف الاشرف/العراق، توفي عام( 1936م) نشر كتابه أثناء الصراع بين أنصار "المستبدة ومؤيدي المشروطية أي الدستورية" في أوساط المسلمين في الشرق الإسلامي خصوصاً في العراق وإيران، وامتد التأثير إلى تركيا إثناء الثورة الدستورية، بحكم الأجواء الفكرية والسياسية المنبثقة من بيئة النهضة والتنوير آنذاك.

 

   النائيني صاغ نظريته للسلطة من خلال منهجية فلسفية وعصرية حيث يرى (بأن الولاية الزمنية(السلطة) في عصر الغيبة(الوقت الحاضر)هي للأمة، وأن ولاية الأمة على نفسها شأن سياسي لا شأن شرعي، لا بمعنى المحايزة بين الشرعي والسياسي، وإنما بالمعنى الزمني إذ أن عدم إمكانية تحقق الإمامة الإلهية، يفتح المجال للأمة في تحقيق سلطانها عبر إقامة سلطة مقيدة بمجلس شورى منتخب)13، وبناءاً على ذلك تكون السلطة شأن بشري، وهي نتاج بنية وحركة وتطور المجتمع وخصوصياته. 

    تتكون الوثيقة الفقهية للنظرية الدستورية للحكم في الدولة الإسلامية الحديثة، من المقدمة وأربعة فصول هي :

1- شرح حقيقة استبداد الدولة ومشروعيتها.

2- تحقيق القانون الأساسي.

3- المجلس النيابي الشوروي.

4- توضيح معنى الحرية والمساواة والرقابة.

 وجوهر رسالة النائيني هي إقامة الدولة الموفية بالتزاماتها وواجباتها تجاه الشعب، ويحدد الطريقة المثلى لعدم انحراف الحكام وإبعاد طغيانهم بوسيلتين هما:

1- دستور يحدد حقوق و واجبات الدولة ويفرض إتباعها.

2- مجلس يضم الأذكياء والحكماء في الأمة، المعروفين بحبهم للشعب ولمطالبه الخيرة، يتولون الإشراف على تطبيق الدستور، والرقابة على أعمال الحكومة، شريطة آلا يتضمن الدستور أي بند يعارض أحكام الشريعة الإسلامية.

الوثيقة التاسعة طبائع الاستبداد للكواكبي

     يعد كتاب "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" لعبد الرحمن الكواكبي(ت1902) النموذج الأمثل للإنتاجات المتقدمة أبان تلك المرحلة الزمنية (واعتبر عدد من المفكرين النظرية الدستورية عند الميرزا النائيني مكملة لتوجهات الكواكبي). وقد صدر الكتاب في فصوله المتعددة في بداية القرن العشرين، محتوياً الوصف الدقيق لصفات المستبدين، وتأثير الظاهرة على مناحي الحياة المختلفة في السياسية والدين والثقافة والتربية،...الخ، وتميز بأفكاره واستنتاجاته العميقة وتحليلاته الدقيقة، خصوصاُ عند سبر أغوار شخصية المستبد(الدكتاتور) إضافة الى سهولة الأسلوب في العرض واللغة.

    وبين إن " أصل الداء عند المسلمين (أي سبب الانحطاط)، هو "الاستبداد السياسي ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية، فالاستبداد جرثومة كل فساد"، ويعرفه "الاستبداد في اصطلاح السياسيين هو تصرف فرد أو مجموعة في حقوق قوم بلا خوف تبعة أو مسألة " ويؤكد في دراسته القيمة التي استغرقت ثلاثين عاما، " إن جوهر الحكومة المستبدة هو غياب الرقابة والمحاسبة بصرف النظر عن شكلها"[1]. ويذهب الى وصف العلاقة بين الاستبداد والدين في فصله الثاني فيقول " إن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني، وان لم يكن هناك توليد فهما أخوان أبوهما التخلف وأمهما الرياسة، أو هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الإنسان والمشاركة بينهما، إنهما حاكمان احدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب".

    وفي فصله الأخير حدد سبل الخلاص من الاستبداد في الحصول على " الحرية " إذا توفرت شروط ثلاث:

1- الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية.

2- الاستبداد لا يقاوم بالشدة إنما باللين والتدرج.

3- يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة بديل الاستبداد.

 

لأختم البحث بالمرحلة الخامسة، فهي مرحلة ما بعد صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948،حتى بدايات القرن الواحد والعشرين، أسميتها المرحلة الخامسة"إعادة التقنين"، أقدم عدد من الوثائق الحديثة التي تعكس حالة التطور والارتقاء التي بلغتها الوثائق.

 نظر وكتب عدد من رواد النهضة العربية- الإسلامية، في بدايات القرن الماضي والقرن التاسع عشر عن الحقوق السياسية والمدنية، وشرحوا مضامين الحريات و حقوق الإنسان، ولا يمكن للباحث أن يتجاهل كتابات رفاعة الطهطاوي (ت 1873) عن الحرية وأقسامها الخمسة (الطبيعية، السلوكية، الدينية، المدنية، السياسية)، والمساواة الإنسانية في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز)، وخير الدين التونسي عندما كتب عن صون النفس والعرض والمال في شرائع الإسلام، وكتابات رفيق العظم والسيد جمال الدين الأفغاني في اليقظة الإسلامية ورفض للاستبداد، وقاسم أمين عن المرأة والشيخ محمد عبده في حقوق المرأة وحرية الفكر والتجديد وعلي عبد الرازق في الحكم الاسلامي، وغيرهم من النهضويين، ويذهب عدد من الباحثين الى اعتبار فرح أنطوان (ت 1922) أول من كتب ونادى بمفاهيم حقوق الإنسان المعاصرة، من منظور الإعجاب بالثورة الفرنسية وإعلانها الخاص بحقوق الإنسان والمواطن عبر صفحات مجلته "الجامعة" الصادرة في نيويورك والقاهرة، وسار على نفس النهج رئيف خوري عندما صدر له كتاب "حقوق الإنسان من أين والى أين المصير" عام (1937)، وفيه ربط حقوق الإنسان بالدولة، على أساس التكامل بينهما[2]، ضمن دائرة النظرية الاشتراكية، وجاء نتاج مجلة الطليعة في دمشق عام   (1939) في السياق نفسه، بأعدادها ملفاً خاصاً لإحياء ذكرى مرور 150 عام على صدور "إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا عام 1789"، ومن نفس الأرضية ألف حنا نمر كتابه "الإنسان والجماعة وحقوقهما في الماضي والحاضر أو حقوق الإنسان وحقوق الدولة".

   تلك الكتابات وغيرها في فترة ما بين الحربين العالميتين، أتسمت بعلمانيتها الفرنسية، فاصلةً الدين عن نتاجاتها الحقوقية، مركزة على عروبية المنطلق والتوجه، مؤكدة كونها ثقافة غربية المنشأ، جاءت كمفردة من النظام الليبرالي الغربي بصيغته الاستعمارية، بلا شك كل ثقافة عصر النهضة وما بعدها، أرست دعائم الفكر السياسي/الحقوقي العربي لتتكامل مع المنظور الإسلامي لحقوق والحريات لاحقاً، والتي شكلت أرضية مهمة انطلقت منها دراسات أكثر تخصصاً في مواضيع حقوق الإنسان.

   في العقود الأخيرة بدأ المفكرون الإسلاميون يتحدثون عن تقنيين إسلامي لحقوق الإنسان في نطاق الخصوصية والندية، مع العودة لاستخدام المقولة القرآنية حول الاستخلاف الإلهي للإنسان على الأرض، في مواجهة مقولة "القانون الطبيعي" التي تأسس عليها الإعلان العالمي، وأحسب أن أول من استخدمها الأستاذ عبد القادر عودة في كتابه: الإسلام وأوضاعنا السياسية (1951). ويمكن أن نقول بأن الجهود التي بذلها المفكر محمد عبد الله دراز، أسست لتطوير وعي حقوقي إسلامي  عندما استنبط فكرة التكريم الإلهي مستنداً إلى القران الكريم، فقال: إن الإنسان كرم من الله بأربع كرامات هي: الكرامة الإنسانية، وكرامة الاستخلاف، كما مر ذكرهما في الآيتين السابقتين، وكرامة الأيمان، "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين" (سورة المنافقون/8)، وكرامة العمل "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" (سورة التوبة/105).

ثم توالت الدراسات والبحوث وصدرت الكتب تشرح المفاهيم الحقوقية لجعلها جزءاً من ثقافتنا، رغم مقاومة بعض الأوساط الاسلامية في البداية، لكن سرعنا ما تبنى نخبة من المثقفين والعلماء الدينيين مبادئ حقوق الإنسان، فنشرت إصدارات تشرح وتعطي للحقوق والحريات بعداً إسلاميا، ولتأسس للتفكير والوعي، لمفهوم جديد دخل معترك الحياة العامة، فاكتشفوا ثقافة جديدة، تعزز انتمائهم الحضاري، وتركز هويتهم، وتُقاوم به التيارات الفكرية الأخرى، ناهيك عن القراءة الواعية لتاريخ المسلمين، وعثورهم على مخزون هائل من الفكر الإنساني في دينهم، فحصل اهتمام واسع بالحقل المعرفي الحقوقي الحديث، وأخذت الثقافة العربية – الاسلامية منحى أخر في مسار تطورها، ومن هذه الإصدارات: "حقوق الإنسان" لمحمود عزمي صدر في القاهرة عن دار النيل سنة 1950.

·     "الإسلام وحقوق الإنسان" لمحمد عبد المنعم خفاجي صدر عن دار النشر المصرية 1951

·     " حقوق الإنسان بين الشرق والغرب" لمحمد شاهين حمزة صدر عام 1956

*   "حقوق الإنسان في الإسلام" لـ علي عبد الأحد وافي القاهرة 1957.

*   "مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" للسيد محمد الصدر الصادر عام 1958

*    سلسلة جورج جرداق "الأمام علي صوت العدالة الإنسانية" وخصص الجزء الثالث تحت عنوان "علي وحقوق الإنسان" التي صدرت في أوائل ستينيات القرن الماضي.       

·     "أركان حقوق الإنسان بحث مقارن في الشريعة الإسلامية والقوانين الحديثة"، صبحي المحمصاني، دار العلم للملاين 1979.

·     "حقوق الإنسان بين الشريعة والفكر القانوني الغربي"، دار الشروق 1982، محمد فتحي عثمان.

·     "حقوق الإنسان" سلسلة من أربع مجلدات من إعداد الدكتور محمد شريف بسيوني، والدكتور محمد السعيد الدقاق، والدكتور عبد العظيم وزير، دار العلم للملاين 1989{تضمنت بعض أجزاء السلسة شروحات مستفيضة عن الأفكار الإنسانية الإسلامية في فصول متعددة من السلسلة.

    وغيرها عشرات الكتب التي يصعب على الباحث تعدادها، وهذا مؤشر واضح على غزارة البحوث والكتابات في هذا الحقل الإنساني، والصعوبة تزداد لدرجة التعسير، عندما يشرع المهتم بقضايا حقوق الإنسان في عالمنا، إحصاء ما كتبته ونشرته المجلات والصحف في العالم الاسلامي. يصح القول أن الاستهداف من هذا التوجه المعرفي، زيادة الوعي بموضوعة حقوق الانسان، وإعطاء اهتمام أكثر لثقافته، على حساب أفكار العنف والتطرف السائدة، ولكونها تحمل في مضامينها حياة أفضل للفرد والجماعة، والارتقاء بالحياة السياسية واستقرارها المضطرب في الأمة.

    توجه الإسلاميون إلى جانب تأسيس القاعدة الفكرية، بالشروع في تطوير وإثراء قيم ومبادئ حقوق الإنسان من وجهة نظر إسلامية، بعقد ندوات (منها الندوات العلمية في الرياض وباريس والفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي في جنيف والمجلس الأوروبي في ستراسبورغ، حول الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان في الإسلام، وتنظيم مؤتمرات ودورات متخصصة، نتج عنها إدراك متزايد ومتنامي بضرورة تأسيس إسلامي لحقوق الإنسان، نابع من مصادر التشريع وعلى ضوء المرتكزات الأربع السابقة، مع الأخذ بمفهوم مقاصد الشريعة وملئ مناطق الفراغ في ما استجد من أطروحات وأراء فقهية تتطلبها الظروف الحياتية المتطورة الجديدة، والتي يفتي بها آية الله العظمى (كما هو عند المسلمين الشيعة) أو تفتي بها مجامع البحوث الإسلامية أو دور الإفتاء عند المذاهب الإسلامية الأخرى، وحسب المسؤولية الشرعية المناط بهما.

    وهذا ما قاد في نفس الوقت إلى إنتاج عدد من الكتابات الحقوقية(الدستورية)، لدى بعض الحركات والأحزاب والمؤسسات الإسلامية، الهادف لدمج المبادئ الحقوقية الإسلامية في مشاريع دساتير مقترحة للدولة الاسلامية.

    ويعد مؤتمر كراشي الذي عقد في يناير/كانون ثاني1951، أول محاولة لصياغة أفكار، ومفاهيم حقوق الإنسان من وجهة نظر إسلامية،  فمشروع الدستور الإسلامي الصادر عن حركة الأخوان المسلمين عام1952، والمشروع الأخر عن مقدمة لدستور إسلامي لحزب التحرير الإسلامي 1952، وكذلك مشروع الدستور الإسلامي الصادر عن الأزهر الشريف سنة 1978، ونشر الدكتور مصطفى كمال وصفي في القاهرة عام 1980، نموذجاً آخر لدستور إسلامي، وأختتم تلك المشاريع المجلس الإسلامي الأوروبي عام 1983 بإصداره مشروع دستور إسلامي، والمشاريع الدستورية هذه متأثرة بشكل أو أخر بالتوجهات التي طرحها أولاً مؤتمر كراشي. عدا دستور الجمهورية الإيرانية الإسلامية 1980، يعد سابقة جديدة لكونه جاء نتيجة تصويت شعبي لاختيار هيئة لصياغته، لتكون أكثر انسجاما مع قيم المجتمع الإيراني.

   كما أصدرت جهات متفرقة بيانات أو توصيات أو إعلانات حول حقوق الإنسان في الإسلام حتى وصل العدد إلى ما يربو حوالي (15) إصدار عن مختلف المؤسسات كما عرضها الدكتور سامي عوض أبو سحلية في كتابه < المسلمون وحقوق الإنسان، الدين والقانون والسياسية >، منها مثلاً:

1- مشروع ميثاق حقوق الإنسان والشعب في الوطن العربي الصادر عن المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية بمدينة سيراكوزا- اإيطاليا في ديسمبر من عام 1986.

 

2- والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهيرية الصادرة عن مؤتمر الشعب العام الليبي في حزيران 1988.

3-    مشروع إعلان حقوق الإنسان و واجباته في الإسلام الصادر عن الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي، عام (1972).

4-    إعلان رابطة العالم الإسلامي الثاني حول حقوق الإنسان في الإسلام" الصادر في روما عام 2000. بمثابة نسخة متطورة عن الإعلان السابق.

5-    البيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام الصادر في لندن عن المجلس الإسلامي الأوربي (منظمة غير حكومية) نيسان عام (1980).

6-    إعلان حقوق الإنسان في الإسلام اثر اجتماع موسع لنخبة من رجال القانون وأكاديميين وعلماء دين وعاملين في مهنة المحاماة والقضاء، التقوا في رحاب جامعة الكويت خلال الفترة من 9 -14 ديسمبر1980.

7-    إعلان حقوق الإنسان في الإسلام- الصادر عن المؤتمر الخامس للفكر الإسلامي في طهران بتاريخ 29-31/1/1987.

8-    إعلان عن حقوق الإنسان في الإسلام الصادر عن المؤتمر التاسع عشر لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي، في القاهرة آب 1990.

9-    الميثاق العربي لحقوق الإنسان الصادر عن الجامعة العربية عام (1994م).

10-       توصيات ندوة حقوق الإنسان في الإسلام لمجمع الفقه الإسلامي عام (1994م) بمدينة جده في المملكة العربية السعودية.

11-       توصيات ندوة حقوق الإنسان في الإسلام بين الخصوصية والعالمية الصادرة عن المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية(مؤسسة آل البيت) الأردنية، وبمشاركة المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة(الإيسيسكو)، أكتوبر(1997م).

12-       توصيات ندوة المفوضية السامية لحقوق الإنسان/ الحلقة الدراسية عن إثراء عالمية حقوق الإنسان ضمن البحث عن الوحدة من خلال الثقافات المتعددة: وجهة نظر الإسلام بشأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بجنيف( 9-10/نوفمبر1998م

13-        ندوة مركز الدراسات العربي – الأوروبي" العالم العربي والإسلامي وحقوق الانسان"

 

14-       عن حقوق الإنسان في العالمين العربي والإسلامي، بتاريخ 28/ 9/ 2000 في جنيف.

 

15-       ندوة حقوق الانسان بين الشريعة الاسلامية والقوانين الوضعية انعقدت في الرياض في شهر فبراير من عام 2001م، ندوة علمية نظمتها أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية بالتعاون مع رابطة الجامعات الاسلامية.

إن العامل المشترك لجميع تلك المشاريع والإعلانات والمواثيق الخاصة بتأصيل أو تقنين حقوق الإنسان في الإسلام، اتفاقها في العديد من بنودها شكلاً وصياغةً ومضموناً مع المواثيق الدولية الحالية، في تقرير حق الحياة والمساواة والتمتع بالحريات الأساسية (حرية الرأي والعقيدة والفكر والاجتماع،...) وحق المشاركة العامة في إدارة البلاد وحقوق الأقليات وغيرها، وهو ما أكد منهج التعامل مع التحديات الجديدة بروح إيجابية في تأسيس وثائق حقوقية إسلامية، وقد أدى هذا الجهد إلى تفكيك الكثير من المقولات السابقة التي حظرت التعامل مع التحولات الكبرى لعصر الحداثة وما بعده، بالرغم من وجود فروقات جوهرية في كلا المدرستين الإسلامية والغربية من حيث مرجعية حقوق الإنسان ومفهوم الحرية وحدودها والتفاصيل في بعض عناصر الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

وهذه الإنتاجات الوثائقية المتنوعة لا تشكل بحد ذاتها تراكم معرفي، أو حالات تطور للحقوق، كما إنها متباينة في الجهات الصادرة عنها، والأغراض السياسية المتوخاة، والأجواء السائدة خلال فترة انبثاقها، فلم نعثر على محاولة لخلط المرجعية الإسلامية مع المرجعية الأوروبية، (الإلهية- والحقوق الطبيعة) مثلاً، لتفضي في النهاية للارتقاء والاتفاق على صيغة موحدة هي موضع إجماع كافة الثقافات والحضارات المعنية.

    ومشاريع الإعلانات والتوصيات ليست ظاهرة سلبية في الوقت نفسه، بالعكس، تنبئ عن الجهد المبذول في إبراز الخصوصية الثقافية الإسلامية، وقدرتها على إنتاج إعلانات مقاربة جداً للإعلان العالمي، مما يقودنا إلى ضرورة التعامل مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان فيما هو متفق عليه، واستمرار الحوار في بنود الاختلاف لحين الوصول إلى فهم مشترك، علماً بأن مواطن الاختلاف محدودة بين الطرفين الإسلامي والعالمي.

    لكن يلاحظ غياب أي ذكر لتلك الوثائق أو تأثيرها في الواقع اليومي وفي حياة المواطن، فلازالت الفجوة واسعة بين النظرية والتطبيق في أغلب الدول الإسلامية، فبالرغم من تصديق الكثير من دولنا على المواثيق الدولية، إلا أننا لاحظنا ذلك الانفصام النكد بين الالتزام والتنفيذ العملي للمضامين الإنسانية والحريات الأساسية، ولم يجري تبني حقيقي لأية وثيقة سواء كانت إسلامية أو دولية تلتزم بها أي دولنا، فإعلان القاهرة ظل حبراً على ورق، ولم نسمع له صدى أو نشاهد له أثار عملية بعد مصادقة الدول الإسلامية عليه، وهكذا في بقية المواثيق الأممية.

 

خاتمة البحث

    كان لنتاج المفكرين الإسلاميين خلال القرن العشرين في مجال حقوق الإنسان، الأثر المهم في إحداث وعي ثقافي لدى النخبة من المثقفين والمفكرين دون العامة من الناس أصحاب المصلحة الحقيقية من كفالة وإعمال وحماية الحقوق والحريات، وبقيت المفاهيم في إطارها النظري، واتسعت الفجوة بين فكر وثقافة ومواثيق حقوق الإنسان من جهة، وبين التطبيق العملي في الواقع المعاش من جهة أخرى، ولم يجر البحث بشكل جدي في إيجاد وخلق المؤسسات العاملة لتقليص هذه الفجوة الأخذة بالأتساع، ولم تنتج الآليات الضابطة لتنفيذ تلك المواثيق وترجمة القيم إلى نموذج عملي، بل وحتى المفاهيم التي هي من صلب الهوية الثقافية للمسلمين فقدت تأثيرها عند الحكومات التي تمارس انتهاكات جمة لحقوق مواطنيها، في حين سبقتنا أمم في تكوين هيئاتها المتخصصة ذات السلطة الواسعة، والناتجة من عقد الاتفاقيات والإعلانات الاجتماعية، كالمحكمة الخاصة بحقوق الإنسان، والمنظمات المدافعة عن الحقوق والحريات الأساسية، ومؤسسات المجتمع الأهلي، ومراكز البحث والدراسات، وبرامج التوعية والتثقيف.

       

 

 

 

 

 

 

 

 

   

 



 

15- علياء سرايا، مجلة رواق عربي العدد التاسع سنة 1998/ عن سامي الدهان، عبد الرحمن الكواكبي، القاهرة سلسلة نوابغ الفكر

 

تعليقات