الحقوق الفردية والجماعية في الإسلام: قراءة في الخلفيات والمفاهيم
التاريخ : 25/08/2014
الكاتب : أ. د بكري عبد الكريم / جامعة وهران – الجزائر

 سادت في أواخر القرن الماضي نظريات حالمة مستبشرة بما سوف ينعم به سكان المعمورة – في القرن الواحد والعشرين من رفاهية وأمن وسعادة ولقد انبعث هذا التفاؤل نتيجة لشعور البعض بأن انتصار المعسكر الغربي الليبرالي، أصبح بديهيا، فبعد سقوك الكتلة الاشتراكية وفشل سياستها، وخفوت بريقها....بعد كل هذا لم يعد هناك في ظنهم نظام قادر أن يكون بديلا ضامنا وضابطا لمسيرة الإنسان مثل الليبرالية الغربية.

وفي هذا السياق، سياق الأحادية الليبرالية، والنزعة الشوفينية، يتساءل أحد خريجي المدرسة الغربية، وهو فرنسيس فوكوياما يتساءل هذا الرجل متحديا :

هل هناك في الواقع الإنساني بعض التناقضات الأساسية التي لم تلق حلا، أو جوابا في الإطار الليبرالي الحديث؟ والجواب كان طبعا بالنفي، ذلك لأن في دولة نهاية التاريخ [وهو اسم الكتاب الذي يضم هذه النظرة] دولة فوكوياما، كل الرغبات سوف تلبّى، كل ما يتمنى المرء يدركه، لن يكون فيها صراع حول المشاكل الكبرى، ولا لرجال الدولة، لن يبقى إلا شيء واحد يشد الناس ويجمعهم هو النشاط الاقتصادي.

ولقد أظهرت مطالع القرن الواحد والعشرين كم كانت هذه النظريات والتنبؤات بعيدة عن الإنسان وتطالعاته بكل ما تحمله كلمة "إنسان" من دلالات، وأبعاد اجتماعية وروحية وعاطفية وبكل ما تعنيه كلمة "تطلعات" من معاني الخير والسعادة والسلام والتعاون والوئام ذلك أن هذه الأنظمة والمنظمات الاقتصادية والتجارية التي يبشر بها دعاة العولمة هي في جوهرها نظم رأسمالية تطغى عليها لغة الربح والخسارة، وتوجهها المؤسسة المالية الضخمة بمنطق لا مكان فيها للعاطفة أو الاعتبارات الإنسانية.

أيها السادة، لقد أدت الأحداث المتسارعة الدامية التي عرفها العالم في هذه السنين الأخيرة إلى إدراك الناس بأن نجاح أي تحول أو تطور سياسي أو اقتصادي، يتوقف على متانة الصلة التي ينبغي أن تكون بين هذه المشاريع وبين الأسس الروحية والثقافية التي تمثل طبيعة الإنسان فتفسّر سلوكه، وتصاحب مسيرته الحضارية .

إننا ونحن نتحدث عن رحلة الإنسان التي عبر فيها محطات ثقافية روحية تأملية، يجب ألا يغيب عن أذهاننا لحظة واحدة، الدور الحاسم الذي قامت الرسالات السماوية المتتابعة في الرجوع بالإنسان إلى أسس الفضيلة، والنبل والأخوة، والسمو الروحي، أي إيصال الإنسان إلى فطرة الله التي فطرة الناس عليها.

أيها السادة، لقد شهد العالم الإسلامي منذ تاريخ أحد عشر سبتمبر 2001 من الأحداث الإعلامية والسياسية ما أثار رياح الخصوم الذين تسلطت عليهم شهوة إنكار أن يكون الإسلام دين المحبة والوئام بين البشر، واشتد القلق من الأبناء والأحباء الذين يريدون الاطمئنان على هذه العقيدة السمحة طوق نجاة الإنسانية من الأخطار والإسقام التي تتوعدهم في هذا العصر الكئيب.

إن ما يتمتع به الإسلام من قيم روحية وعلمية وثقافية وقابلية للتجديد والمواءمة يجعل المنتمين إليه من شعوب العالم دورا هاما في الإعداد لنموذج مرتقب من الحضارة الإسلامية ذلك لأن المنهاج الذي سطره الإسلام للإنسان بما يضمه في صلبه من شمولية وتجديد وتجاوب مع المشاكل المستجدة، يمكن أن يساهم إسهاما كبيرا في تقديم نماذج إنسانية مثالية، وفي إشاعة نفحات روحية أخلاقية تدخل الدفء في قلوب الحيارى التائهين المتعطشين إلى دين يظلهم ويحميهم من لفح صحراء المادة القاحلة، ولما كان الإنسان هو الهدف والمنطلق والغاية من مجيء الرسالات السماوية، فإن الإسلام لم يعتمد في بناء النفس البشرية على صياغة القوانين والأحكام المجلوبة من خارج الذات الإنسانية، وإنما اعتمد في ذلك على الفطرة التي تتطلع دائما إلى الطمأنينة والسكينة ولا تجدها إلا باللجوء إلى الله فاطر السماوات والأرض ومن فيهما وما بينهما، ولذلك فإن مكانة الإنسان في القرآن تختلف عن ما موضعه الواضعون من حدود وقوانين ممن عرفوا شيئا عن حقيقة الإنسان وغابت عنهم أشياء لا يعرفها إلا الله سبحانه وتعالى، لقد انطلق المنهج التربوي القرآني من الإنسان نفسه ومما يحيط به ويؤثر فيه من أشياء وأحياء، قال تعالى: "سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق".

ذلك لأن الإنسان في القرآن يتبوآ المنزلة الرفيعة بين سائر مخلوقات الله ، فهو الكائن الوحيد المكلف في هذه الأرض بما أودع الله فيه من الصفات التي تقربه من الكمال.

إن مكان الإنسان في القرآن كما يقول العقاد بحق هو أشرف مكان له في ميزان الفكر، وفي ميزان العقيدة وفي ميزان الخليقة التي توزن بها طبائع الكائن بين الكائنات إلى إن يقول في خلاصة مؤداها أنه (أي الإنسان) أصوب في التعريف من قول القائلين " الكائن الناطق" لأن الكائن الناطق ليس بشيء إذا لم يكن أهلا للتكليف. والتكليف عند العارفين قائم على أسس أهمها التبليغ، والعمل.

ويقول السيد قطب في شرح هذه الآية:

"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا تجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا يعلمون وعلم آدم السماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبئهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون"

يقول وهو يبين المعاني العميقة لهذه الآيات البينات "إذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود زمام هذه الأرض ويطلق يده فيها، وتكل إليه إبراز مشيئته في الخلق والإبداع، والتكوين والتجديد والتبديل.....إلى أن يقول وإذن فهي منزلة عظيمة منزلة الإنسان في هذا الوجود وتتبدى القيمة الكبرى التي يعطيها التصور الإسلامي في الإعلان العلوي الجليل في الملأ الأعلى الكريم أنه مخلوق ليكون خليفة في الأرض، كما تتبدى في أمر الملائكة بالسجود له" .

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، هذه هي نقطة الارتكاز التي ينبغي الوقوف عندها، وقراءة أبعادها، وأثرها في بناء المجتمع الإنساني حيث إن الآية الكريمة بما اتسمت به (كجميع الآيات القرآنية) من إجمال وتكثيف للمعاني، تشير إلى أن التغيرات الاجتماعية التي ندعو إليها ونحرص على وضعها أو تقنينها، ونشرها بين الناس لن يكون لها الأثر الحقيقي في الواقع اليومي إلا إذا استقرت معانيها في النفوس واستوطنت في القلوب، وأصبحت جزءا من السلوك الفطري للإنسان " لأن كل تغيير حقيقي في المجتمع، لا بتصور دون تغيير ملائم في النفوس طبقا لقانون الروح". كما يقول مالك بن نبي .

ومن هنا تأتي أهمية المنظومة التربوية الروحية التي تضبط علاقة الإنسان واتصاله بوجه الخالق جل وعلا وعلاقته وصلاته مع الناس جميعا في الوقت نفسه (مراقبة الله في السر والعلانية في كل حركاتنا وسكنانا) ومن هنا تأتي كذلك أهمية الإسلام باعتباره مشروعا شاملا يضفي على الإنسان شيئا من القداسة التي ترفع قيمته فوقه كل قيمة تعطيها النماذج المدنية، وسيظل هذا الإشعاع الروحي الذي بثه الإسلام مشعا، ومولدا للطاقة البشرية الكامنة في نفوس الآخرين، ما دام الفرد متمسكا بديانته وشعوره بقيمته، وقيمة الآخرين بفضل ما وضعه الإسلام عن يمينه، وشماله من معالم ترشد طريقه حتى لا يقع في وحل العبودية، لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولا مكان لاستبداد والمستبدين في أرض الله لأن الله جل وعلا جعل الدار الآخرة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، وحرمها على الطغاة المستكبرين في الأرض وبين لنا القرآن كيف كانت رسالات الأنبياء تهدف فيما تهدف إلى الثورة على الظالمين وكسر شكوتهم. قال تعالى في سياق يمهد لبعثة سيدنا موسى عليه السلام "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، انه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهم منهم ما كانوا يحذرون".

قال الرازي في تفسير قوله تعالى : "جعل أهلها شيعا": أي فرقا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه و لا يملك أحد منهم مخالفته لأنه أغرى بينهم العداوة والبغضاء  وبين القرآن كذلك كيف كانت نهاية فرعون بفضل التفاف قوم موسى حول نبي الله وتسلحهم بالإيمان فواجهوا الطغيان بهذه الكلمات المفعمات بالعقيدة الراسخة والإيمان الصلب: إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر.

وتأسيسا على ما تقدم فإننا نرى مع أهل العلم والرأي في عصرنا أن الإسلام أشمل وأعمق من أن تقاس أصوله ومبادئه وآثاره بما في المذاهب الغريبة من دساتير وأعراف ظلت في معظم مراحلها الزمنية أسيرة النزعات والأهواء والرغبات الشخصية والجماعية فأصبحت لها أشكال وألوان، ومعان تتغير في الفترة الواحدة من النقيض إلى النقيض على نحو ما سنرى، حيث يسعى البعض عن حسن نية في غالب الأحيان إلى فرض كثير من المصطلحات والمفاهيم وأساليب الحياة على الواقع الاجتماعي للمسلمين تحت شعار قابلية الإسلام للتطور والاحتواء واتسامه بالحيوية والتجدد.

ولقد رأينا كيف كان بعض المفكرين عندنا يجتهدون في إيجاد الصيغ والحيثيات التي تثبت في رأيهم أن الإسلام دين الاشتراكية، وأن تعاليم الإسلام تتلقى مع الاشتراكية في الأمور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بصفة عامة، وما أكثر الكتب والمقالات والأبحاث التي كتبت عن الاشتراكية في الإسلام وأن الصحابي الجليل أبا ذر العقاري هو أبو الاشتراكية، ونحن نعرف الآن المصير الذي آلت الاشتراكية الماركسية، وكيف أصبحت وصمة وتهمة تلاحق أصحابها، ونعرف كذلك كيف تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا.

وما أعظم القرآن وما أبعد الإسلام عن كل هذه الأعراف والتقلبات ذلك أنه مهما قبل عن هذه النظم من حيث اهتمامها بتأمين الحقوق الفردية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والإخاء الإنسان، فإنها أنظمة قاصرة على مصاحبته الإنسان ومراقبته وإسعافه من الداخل مما يختلج في نفسه من مشاعر، ومتناقضات، ونزعات ووساوس حيث ظلت هذه النظم عاجزة عن صياغة ما يمكن أن نسميه بالقانون الخاص، الخاص بسلوك الفرد ونزعاته الشخصية الداخلية التي لا يطلع عليها إلا من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور سبحانه وتعالى.

فأين هو هذا القانون الوضعي القادر على ردع الغش والنفاق والخداع، وازدواجية الولاء، الاستهزاء، والاستخفاف والكبر والتعصب والإزعاج بمختلف أشكاله والجواب ألا ضابط لهذه الانحرافات الخلقية الداخلية إلا القانون الإسلامي المتحرك في عقولنا وسلوكنا والمنبعث منا في صورة إسلام اجتماعي كما كان يقول مالك بن نبي رحمه الله.

هذا السلوك السوي الشامل المنشود الذي ينبغي أن يتحلى به الأفراد، والجماعات بمختلف مستوياتهم في السلّم الاجتماعي، وفي الحكم والرئاسة، نجده في هذه المواقف التي يعرضها علينا القرآن الكريم موقف النبي الحاكم الذي سخر الله له الحكم في الأشياء والأحياء في صور تبين لنا درجة الإدمان ورسوخ العقيدة والثبات على المبدأ الذي لا يتزعزع والذي كان يتسلح به هؤلاء العباد المخلصون على الرغم مما حباهم الله به من الصول والطول والقوة الإلهية الخارقة التي لا تخطر على عقل بشر، من ذلك ما جاء عن بعض مواقف سيدنا سليمان عليه السلام من سورة النمل قوله تعالى : "قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعشرها قبل أن يا يأتوني مسلمين، قال عفريت من الجن أنا أتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن ترتدا إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم .

حيث يلاحظ العاقل المتأمل في هذه الآيات البينات كيف أن النبي سليمان عليه السلام لم يركبه الغرور والكبر والطغيان وهو يرى كل هذه الخوارق تتحقق أمام عينيه فيحضر عرش بكامله بمن فيه وما فيه من أشياء وأحياء في طرفه عين.

ولكي تكون الصورة ناصعة والدرس مستوعب والعبرة ناقده فاتنا تتقل مثل هذه المواقف (مع الفارق الكبير طبعا في كل شيء) إلى حكام الأمس، وحكام اليوم، كيف كان يقف فرعون أمام قومه في استعلاء وغرور وهو يقول : ما أريكم إلا ما أرى، "أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي"  وكيف انتقلت مثل هذه المواقف في عصرنا إلى حكام من يطلق عليهم القوة العظمى فأصبحوا يهددون البشرية في غطرسة واستكبار ويقولون : من ليس معنا فهو ضدنا ولا عدالة ولا ديمقراطية ولا قانون إلا القوانين والأعراف إلى نقرها ونصدرها وما على الآخرين إلا الاستجابة والامتثال.

وما أبعد الموقف عن الموقف والصورة عن الصورة صورة من يعطيه الله من السلطة والقوة والجاه ومالا يتصوره عقل بشر، فلا ينسى نفسه ويدرك أنه قد وضع في موقع تضعف فيه النفوس وتزل الأقدام وتتضاعف فيه الحسنات بالأعمال الحسنة بقدر ما تتضاعف فيه السيآت بالأعمال السيئة.

فيدرك سيدنا سليمان أن كلما أوتي فضل من الله أولا وأنه امتحان وابتلاء من الله ثانيا فلينعقد العزم إذن على العمل الصالح مما يرضى الله ويكون دليلا على حمده وشكره كما قال في آية أخرى : "رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.

واستمرارا لهذا المنهج المقارن -فإننا نود أن نبين كيف تبلورت مثل هذه السلوكات والسياسات في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النعمة المهداة الذي ملأ الدنيا خيرا وعدلا ورحمة ورأفة بما أتاه من الحكمة والخلق العظيم، وكيف تجسدت وترجمت إلى أعمال وإنجازات في عهده وعلى يد الصحابة والتابعين من بعده، ونكتفي هنا بذكر موقف واحد من مواقف عمر بن الخطاب لنبين فيه دستوره القائم على التقوى والعمل بما يرضي الله وأنه لا يخاف في الله لومة لائم إذ يروى أنه رضي الله عنه قد استهل خلافته بأن قال مخاطبا المسلمين الحاضرين :

بلغني أن الناس هابوا شدتي وغلطتي وقالوا: كان يشتدّ ورسول الله بين أظهرنا،....ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا.... فيكف وقد صارت الأمور إليه، ألا من قال هذا، صدق، فإن كنت مع رسول الله عونه وخادمه، وكان عليه السلام من لا يبلغ أحد صفته من اللين والرحمة...فكنت بين يديه سيفا مسلولا، فلم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى توفاه الله وهو عني راض...ثم تولى أمرا المسلمين أبو بكر، فكان من لا تنكرون دعته وكرمه ولينه...فكنت أخلط شدتي بلينه، فلم أزل معه على كذلك حتى قبضه الله وهو عني راض....ثم إن وليت أمركم أيها الناس.... فاعلموا أن الشدة قد أضعفت، ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدّي...فأما أهل السلامة والدين والقصد، فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض...ولست أدع أحدا يظلم أحدا أو يتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض حتى يدعن للحق، وإن بعد شدتي تلك أضع خدي على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف...فاتقوا الله وأعينوني على أنفسكم بكفها عني،...وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم.

هذا بيان شامل صادر عن عمر رضي الله عنه يشبه في لغة العصر -كما يقول أحدا المفكرين- بيان الحكومة أو خطاب العرش، لم يكن المراد منه نزع التصفيق بعد الاستحسان وإنما هو بيان اختلط مضمونه بالإيمان وعزم الرجال.

ونحن إذ نستعرض السير العطرة للأنبياء المرسلين والصحابة المخلصين الملخصين إنما نهدف إلى الاقتباس من أضواء سيرهم ما يصلح للتأثير في ولاة أمورنا وإصلاح أحوالنا في الأمور كلها يقول ابن خلدون : "وإن فن التاريخ شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا".

ونعود إلى الكلمة المحورية في هذه الملتقى وما في حقولها الدلالية  من معان وهي كلمة الحق أو الحقوق، حيث نجد أن أول ملاحظة تقفز إلى ذهن المهتمين بموضوع العدالة وحقوق الإنسان أن المصطلحات أو الكلمات المفتاحية التي تضمنها القرآن هي أوسع مدى وأبعد عمقا، وأشد تأثيرا من حيث المعنى والدلالة والإيحاء، من المصطلحات القانونية والسياسية الوضعية التي اتفقت عليها جماعة محددة في زمن محدد أو استجابة لحاجة معينة أو نقائص ملحوظة وكثيرا ما تكون هذه المصطلحات خاضعة للتغيير والتأويل حيث تفسر معانيها وتقاس مبادئها بمقياس المصالح أو الاتجاهات السياسية فكلمة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية تبناهما الرأسماليون والشيوعيون والدكتاتوريون في نفس العصر، ونحن عند ما تقف عند كلمة الحق في القرآن الكريم نجد أنها تتجاوز في مداها وفي أبعادها الروحية والدلالية ما تواضع عليه الناس، فمن أعظم معاني هذه الكلمة أنها اسم من أسماء الله الحسنى وصفة من صفاته – مما يعطي للكلمة شحنة دلالية وقدسية تصاحبها في استعمالاتها وتداولها بين الناس، ومن هنا تأتي هذه القيمة الفارقة لكلمة الحق عند المسلمين باعتبارها كلمة مرتبطة بالله سبحانه وتعالى وبعبادته وتقواه حق تقاته، فيكون بذلك موقف المؤمن حقا موقفا تابتا لا يتغير فيكون سيد نفسه كما يقول الأستاذ محمد البهي، " ومن لم تكن له سيادة على نفسه أولا، لا يمكن أن يكون نصيرا للحق، لأن فقدانه السيادة على نفسه يفقده الصلاحية لفهم الحق فضلا عن مؤازرته.

ومن الآيات التي جاءت فيها كلمة الحق اسما من أسمائه سبحانه وتعالى قوله عز وجل :"ذلك بأن الله هو الحق، وأنما تدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير".

"فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم". 

ومن الآيات التي جاءت فيها كلمة الحق صفة للإسلام باعتباره دينا شاملا يجمع بين الدين والدنيا، فجاء كلمة الحق تجمع بين الطريق السوي هو أحق أن تتبع وبين الواجب الذي يجب أن يؤدى والنصيب المستحق الذي ينبغي أن يحصل. قال تعالى : " وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق".

   "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا".

وقوله عز وجل :"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ماذا هو زاهق"

" يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق وتتبع الهوى فيضلّك عن سبيل الله".

وجاءت كلمة الحق في القرآن كذلك بمعنى الواجب الذي على المسير أن يؤديه إلى مستحقيه بدون منّ من المانح أو استجداء من المستحق، من ذلك قوله تعالى : " وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلف أكله والزيتون والرمان متشابه وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" ، حيث يجمع المفسرون على أن المراد بالحق في هذه الآية هو الزكاة المفروضة على كل مسلم ومسلمة، يلتزم المسلم بأدائها ليس تفضّلا أو منّا وإنما هي نصيب مقتطع من مال المسلم وموجه إلى المحتاج يناله وهو عالي الهمة، محفوظ الكرامة، وبما أن أفضل شرح للقرآن هو القرآن نفسه فإننا نعود إلى آية أخرى لنبين في أضوائها هذا المعنى، معنى الحق  وتوضح أبعاده ودلالاته الأخلاقية والاجتماعية.

قال تعالى : " إن المتقين في جنات وعيون أخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم" .

وقال في آية أخر : " والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم"

يقول الرازي وهو يشرح الآية الأولى: المشهور في الحق أنه هو القدر الذي علم شرعا وهو الزكاة...إلى أن يقول في معنى: " وفي أموالهم حق للسائل والمحروم" أي مالهم ظرف لحقوقهم فإن كلمة "في" للظرفية...فكأنه تعالى قال : " هم لا يطلبون المال ولا يجمعونه إلا ويجعلونه ظرفا للحق "

أي أن المال يجب أن يبقى وسيلة للنفع العام وليس سبيلا للتّكديس أو الاستغلال أو الطغيان أو طريقا للمغامرات والتلاعب بمصائر الناس كما يفعله أرباب المال وأصحاب البنوك الذين أدخلوا البلاد والعباد في أزمة مالية خانقة لا يعلم مداها إلا الله ولا يعرف أحد مدى الأضرار والخسائر التي سوف تعم سكان المعمورة بسبب هؤلاء المغامرين الذين أطلقت أيديهم يفعلون في أموال الناس ما يشاءون.

ولكننا نجد في الرسالات السماوية التي عرضها القرآن أن الحرية المالية مكفولة في حدود المصلحة العامة، وهي مصلحة الآخرين ففي رسالة شعيب إلى أهل مدين كانت العناية موجهة بالخصوص إلى تقييد المشيئة الفردية في مباشرة المال بمصلحة الآخرين بحيث لا يؤديّ التصرف الأرعن في الأموال إلى إلحاق الضّرر بالآخرين، ولذلك ثارت ثائرة كبرائهم وعندما علموا أن رسالة سيدنا شعيب تهدف فيما تهدف إلى الحد من سلطتهم المالية المطلقة فقالوا في استنكار كما جاء في القرآن.

"قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن تفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد".

ويصوغ ابن تيمية رحمه الله هذا النظام الإسلامي القائم على جعل الملكية الأصلية لله وحده وإلا وجعل الاستخلاف في المال للإنسان، قلت : يصوغ ابن تيمية رحمه الله قاعدة شرعية توضح العلاقة بين أفراد المجتمع حكاما ومحكومين: "فعلى ذوي السلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كل ذي حق حقه، وعلى جباة الأموال كأهل الديوان أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيثاره إليه، وكذلك على الرعية الذين يجب عليهم الحقوق، وليس للرّعية أن يطلبوا من ولاة الأموال مالا يستحقونه فيكونون من جنس من قال الله تعالى فيه: "ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون"

ولنا أن نقول في نهاية هذا البحث أن الإسلام سلوك ينبع من إيمان ومن عقيدة واحدة هي دين الله ولذلك فإن أي عمل يعمله الإنسان من إنفاق أو أي إنجاز كان، فهو تعبير عن هذا الإيمان، إنه الإيمان الذي يصدقه العمل.

 فالحقوق وهي محور هذا البحث تؤدى عند المسلمين المؤمنين بدافع من الإيمان بالله ومن الطمع في كرمه والخشية من عذابه ولقد وضح لنا القرآن صفات هؤلاء المسلمين المؤمنين وبين لنا أحوالهم النفسية الداخلية، وهم يؤدون حقوق الله قال تعالى : " والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات، هم لها سابقون "

يقول الرازي في شرح هذه الآية : معناه يعطون ما أعطوا، فدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان ذلك من حق الله تعالى كالزكاة، والكفارة وغيرهما أو من حقوق الآدميين كالودائع والديون، وبين ذلك أنما ينفع إذا فعلوه وقلوبهم وجلة أن من يقدم على العبادة وهو وجل من تقصيره وإخلاله بنقصان أو غيره، فإنه يكون لأجل ذلك الوجل مجتهدا في أن يوفها حقها في الأداء.

 

تعليقات