التضرّع
التاريخ : 31/05/2017
الكاتب : الأمين العام سماحة السيد أبوالقاسم الديباجي

البحث الصلاة الوفيات الخميس 01 يونيو 2017 العدد 13849 إختر القسم » التضرّع محليات - الخميس، 1 يونيو 2017 / 46 مشاهدة / 9 شارك: شارك على فيس بوك شارك على تويتر شارك على غوغل بلس + تكبير الخط - تصغير الخط | أبو القاسم الديباجي | من احدى الطرق والسبل للتقرب الى الله هي التضرع والخضوع اليه، قال الله تعالى : ﴿ واذكر ربك في نفسك تضرُّعاً وخِيفةً ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ﴾ (الأعراف/205) . والتضرع هو إظهار الذل والافتقار والاستكانة والخضوع، فقد يدعو الإنسان ربه في بادئ الأمر مناجاةً وخفية فلا يُسمَع منه صوت ولا أنين ولكن حينما تشتد عليه المصائب والمكاره يكون دعاؤه واستغفاره مناداةً ومصحوبا بالبكاء والأنين علنا وجهرة والحالة الثانية هذه تسمى بالتضرع، والحق تبارك وتعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً﴾(الاعراف/55) على أن يكون ذلك في إطار العبودية غير خارج عنها ولا منافيا لأدبها، ولهذا خُتمت الآية المباركة بعبارة:»... إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدينَ». يقول السيد العلامة الطباطبائي في تفسير هذه الآية المباركة: أمر أن يدعوه بالتضرع والتذلل وأن يكون ذلك خفية من غير المجاهرة البعيدة عن أدب العبودية الخارجة عن زيها - بناء على أن تكون الواو في « تَضَرُّعاً وخُفْيَةً « للجمع - أو أن يدعوه بالتضرع والابتهال الملازم عادة للجهر بوجه أو بالخفية إخفاتا فإن ذلك هو لازم العبودية ومَن عدا ذلك فقد اعتدى عن طور العبودية وإن الله لا يحب المعتدين ومن الممكن أن يكون المراد بالتضرع والخفية الجهر والسر وإنما وضع التضرع موضع الجهر لكون الجهر في الدعاء منافيا لأدب العبودية إلا أن يصاحب التضرع. ويجدر بالذكر هنا أن هذه الآية المباركة تلي آية التوحيد والعبودية التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثيثاً والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمينَ ﴾(الاعراف: 54) !!فتأمل!! وقد ذمّ الله تعالى الذين لا يتضرعون إليه حيث قال: ﴿ ولقد أخذناهُم بالعذاب فما استكانُوا لربِّهم وما يتضرَّعُون ﴾ (المؤمنون:76). عن محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا جعفر (ع) عن قول الله عزَّ وجلّ: ﴿ فما استكانُوا لربِّهم وما يتضرَّعُون ﴾ فقال (ع): «الاستكانة هي الخضوع ، والتضرُّع هو رفع اليدين والتضرُّع بهما ». وعن الاِمام الحسين (ع) قال : «كان رسول الله (ص) يرفع يديه إذا ابتهل ودعا كما يستطعم المسكين »، وروي أنّه (ص) كان يتضرّع عند الدعاء حتى يكاد يسقط رداؤه. والتضرُّع من أسباب استجابة الدعاء ، قال رسول الله (ص) : «إن الله يستحي من العبد أن يرفع إليه يديه فيردّهما خائبتين ». والعلّة في رفع اليدين هي إظهار الاستكانة والفاقة بين يديه تبارك وتعالى . وقد سأل أبو قُرّة الاِمام الرضا (ع) : ما بالكم إذا دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء ؟ فقال أبو الحسن الرضا (ع) : «إن الله ا ستعبد خلقه بضروب من العبادة.. واستعبد خلقه عند الدعاء والطلب والتضرُّع ببسط الاَيدي ورفعهما إلى السماء لحال الاستكانة وعلامة العبودية والتذلل له ». ولليدين وظائف وهيئات في الدعاء تتغير حسب حال الداعي في الرغبة والرهبة والتضرُّع والتبتُّل والابتهال ، قال الاِمام الصادق (ع) : «الرغبة : تبسط يديك وتظهر باطنهما ، والرهبة : بسط يديك وتظهر ظهرهما ، والتضرُّع : تحرّك السبابة اليمنى يميناً وشمالاً ، والتبتّل : تحرّك السبابة اليسرى ترفعها في السماء رسلاً وتضعها ، والابتهال : تبسط يديك وذراعيك إلى السماء ، والابتهال حين ترى أسباب البكاء». وقد كان رسول الله (ص) في كل أحواله متضرعا خاشعا متذللا لربه تبارك وتعالى ، وقد عرض عليه ربه أن يجعل له بطحاء مكة ذهبا فقال (ص): « لا يا رب، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك.» وعند خروجه للاستسقاء كان يخرج متواضعا متضرعا حتى يأتى المصلى فلم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ثم يصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد. وفي الجهاد كان يتضرع ويدعو ففي بدر استنصر ربه ودعاه حتى أنزل الله المدد: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾) الأنفال:9). وفي يوم الأحزاب دعا ربه وتضرع حتى صرف الله الشر عن المسلمين وكفاهم كيد أعدائهم. وعند الكرب كان يذكر ربه ويذل له ويدعوه بهذا الدعاء :» لا إله إلا الله الحليم الكريم ، لا إله إلا الله العلي العظيم ،سبحان الله رب السموات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم.» وطُرق التضرع إلى الله سبحانه وتعالى كثيرة منها الأدعية والمناجات الواردة عن رسول الله (ص) وأهل البيت(ع) المليئة بمعاني الفقر إلى الله تعالى وسبل التذلل له وحده، وللأمكنة آثار في الخضوع والخشوع لله كالمساجد والمشاهد المشرفة وللأزمنة والأوقات كذلك آثار كشهر رجب وشعبان ورمضان وليالي الجمع وغيرها من خواص الأيام والليالي والأزمان. * الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي
تعليقات
الاسم:  
التعليق: