حقوق المرأة في الفقه الإسلامي
التاريخ : 02/09/2013
الكاتب : الأستاذ / ماجد الحفيد

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حقوق المرأة في الفقه الإسلامي

 

بقلم الأستاذ / ماجد الحفيد

 

ألحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى اله وصحبه ومن إهتدى بهداه ووالاه.

وبعد !

     لم يتسع مجال للحديث عن المرأة في عصر من العصور قدر اتساعه في العصر الحاضر،ولا عجب أن تحتل المرأة هذه الأهمية ، فإنها لم تعد سلعة تباع و تشتري أو شيئا يتلهى به ، أو مواطنا لا حقوق له فلقد استطاعت أن تثبت إنها لا تقل أهمية عن الرجل وبدونها لا يمكن لعجلة الحياة أن تستمر .  

     وهذه الحقيقة ثبتها الله سبحانه وتعالى ورسختها الشريعة الإسلامية ، خاصة وأنها أنزلت في زمان ومكان كانت المرأة لا قدر لها في مجتمعات الدنيا حينها وكان وئد البنات هو الشريعة السارية عند العرب ، لقد جاءت الشريعة الإسلامية فقامت بتحرير المرأة مما وقع عليها من وظلم ورفعتها إلى مكانة عالية لم تصل إليها في الماضي بل ومهما تطورت المدنية وأعلنت من خلال القرآن الكريم أن المرأة احد العنصرين اللذين تكاثر منهما الإنسان وجعل الله ذلك نعمة ومنة على الناس حين قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا).

     لقد جاء الإسلام ليفرض عدالة كانت غائبة وهي عدالة المساواة بين المرأة والرجل، فبدأ بمساواتها في ثواب الأعمال ودون أي فارق حين قال الملك العدل (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ) . ثم ساواها في التكاليف الشرعية فذكرها مقرونة مع الرجل ودون أي فرق فقال العلي الجليل (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ).

     ومسؤولية المرأة مستقلة عن مسؤولية الرجل فلا يؤثر عليها وهي صالحة فساد الرجال وطغيانه ، كما لا  ينفعها وهي طالحة صلاح الرجل وتقواه كما جاء في قوله تعالى (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) .

     وبينما لم يعط للمرأة حق التصويت في أكبر بلدان العالم تحضرا إلا منذ عشرات السنين فقط،  أعطى الإسلام ذلك الحق مساواة ودون أي فرق ،  فقد كان النبي (ص) يبايع الرجال على السمع والطاعة والقيام بحدود  الله وكذلك يبايع النساء كما أمره الله جل وعلا بقوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ).   

     والشريعة الإسلامية أنصفت المرأة واحترمتها وأعطتها حقوقا أكثر ديمقراطية من اكبر بلدان العلم تحضرا ، ففي الوقت الذي لا تستطيع فيه المرأة أن تهب حق اللجوء السياسي لأي شخص في تلك البلدان، نرى أن الرسول (ص) رسخ لها هذا الحق حين أمن لأم هاني كلا من الحارث بن هشام شقيق أبي جهل وزهير بن أبي أمية وقد كانا من النفر الثلاثة عشر واللذين لم يشملهم العفو النبوي ساعة دخول مكة وأراد الصحابة قتلهما وأبت أم هاني إلا أن تجيرهما لدخولهما في بيتها وطلبهما الأمان منها فقال لها الرسول (ص) ( قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت يا أم هاني).

     وبما أن المرأة كانت مضطهده على وجه الأرض حين نزول الشريعة الإسلامية كما أسلفنا فقد أعطيت أهمية بالغة لم تعط للرجل فاعترافا بمعاناتها فترة الحمل والرضاعة وردا لجمائلها  وقت الاعتناء بالإنسان في طفولته قدمها الرسول (ص) على الأب في الإحسان إليها فقال للصحابي  الذي سأله عن أحق الناس بصحبته  ( أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ). وجعل ثوابا محفزا لتربية البنات لم يعطه للبنين فقال ( من عال جاريتين حتى تبلغا أو حتى بلغتا كان معي في الجنة هكذا ) وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها .

      وللاعتناء بالنساء عامة والتلطف في المعاملة معهن شبههن بالزجاجة الرقيقة فقال في احد أسفاره لسائق الإبل الذي كانت إبله تحمل النساء(يا أنجشة لطفا بالقوارير) أي النساء اللاتي في الهوادج.

     أما من ناحية كونها زوجة  فقد أعطيت حقوقا لم يعطها قانون ولا شريعة على وجه الأرض . لقد بين لنا الإسلام أن الزواج ليس صفقة تجارية بين شريكين أو وسيلة لإرضاء مطالب النفس والجسد بل أن الله سبحانه وتعالى بَيَّن أن عقد الزواج في وضعه الصحيح هو ميثاق غليظ حين قال (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ). فهذه الآية تدل على انه بعقد الزواج تكون الزوجة قد أخذت من الرجل ميثاقا غليظا فهو عهد  يجب  الالتزام به ، للرجل والمرأة حقوق وواجبات نحو احدهما الأخر فهو ليس عقد تمليك أو بيع أو إجارة أو نوع من أنواع الاسترقاق، بل أن  العلاقة بين الرجل و المرأة في الزواج علاقة مودة وسكن للنفوس ورحمة كما قال سبحانه وتعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ).  وهنا بين لنا الله سبحانه وتعالى كرمه انه جعل بين الزوجين مودة حب ورحمة عطف ثابتين لا تبليان كما تبلى مودة غير الزوجين بعد انقضاء شهوتهما.   وجاء في القرآن الكريم وصف مساواة دقيق لهذه العلاقة بقوله جل وعلا ( هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ .... ). فقد شبهت هذه الآية الكريمة كلا من الزوجين باللباس لأن كلا منهما يستر الآخر فحاجة كل منهما إلى الآخر كحاجته إلى الملبس ،  فأن يكن الملبس لستر معايب الجسم وحفظه من عاديات الأذى وللتجمل والزينة فكل من الزوجين لصاحبه كذلك يحفظ عليه شرفه ويصون عرضه ويوفر له راحته وصحته .

     ولقد حثنا الله على التلطف واللين في معاشرة الزوجة حتى وان كان فيها من الطباع ما لا نرضاه فقال (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ). وكلمة عسى التي  للرجاء تجعل من الصبر على أغلاط الزوجة موضع رضا الله . وقد روى ابن ماجه والترمذي من حديث عمر بن الأحوص الجشمي انه سمع رسول الله ( ص) يقول في حجة الوداع ( استوصوا بالنساء ألا إن لكم على نسائكم حقا . ولنسائكم عليكم حقا . فحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن،وحقكم عليهن آلا يوطئن فرشكم من تكرهون ، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ) . وروى ابن حبان في صحيحة عن عائشة(رض)عن رسول الله ( ص ) أنه قال (خيركم خيركم لأهله ) ، وفي رواية

 ( خيركم ألطفكم بأهله ).

     وروى أن رجلا جاء إلى عمر رضي الله عنه يشكو خلق زوجته فوقف على بابه ينتظر خروجه ، فسمع امرأة عمر تستطيل عليه بلسانها تخاصمه وعمر ساكت لا يرد عليها ، فانصرف الرجل راجعا ، وقال : إن كان هذا حال عمر مع شدته وصلابته وهو أمير المؤمنين فكيف حالي ؟ فلما خرج عمر رآه موليا عن بابه فناده وقال : ما حاجتك أيها الرجل ؟ فقال : يا أمير المؤمنين. جئت أشكو إليك سوء خلق امرأتي واستطالتها علي ، فسمعت زوجتك كذلك فرجعت وقلت إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع زوجته فكيف حالي ؟ فقال عمر : يا أخَيَّ . إني احتملتها لحقوق لها علي ، إنها لطباخة لطعامي ، خبازه لخبزي ، غسالة لثيابي ، مرضعة لولدي ، وليس ذلك كله بواجب عليها، ويسكن قلبي لها عن الحرام . فأنا أحتملها لذلك. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، وكذلك زوجتي. قال عمر:فاحتملها يا أخي فإنما هي مدة يسيرة. وفي الصحيح قال عليه السلام ( لا يفركن مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خلقا رضي منها أخر ) .

     وكان الرسول (ص) يلاطف نسائه ويداعبهن لأن الملاطفة والمداعبة تزرع الحب في القلب. وتروي لنا أم المؤمنين عائشة (رض) قائلة: سابقني رسول الله (ص) حين تزوجت به حديثا فسبقته حتى إذا مرت الأيام وكثر في اللحم سابقني ثانية فسبقني فقال لي (هذه بتلك). وكان(ص) يقسم لزوجاته في أسفاره جميعا فيأخذ معه من تخرج لها القسمة. ولا حرج في تمتيع الزوجة برحلة أو سمر أو مشاهدة حفل إذا لم تكن فيه أمور غير شرعية، فهذه الأمور تروح عن الإنسان وتجدده وتزيد روابط الحب بين الزوج والزوجة.

ولقد روت لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها احد المواقف للرسول الكريم قائلتا: سمعت أصوات أناس من الحبشة و غيرهم و هم يلعبون،   فقال رسول الله ( ص ) : أتحبين أن تري لعبهم ؟ قالت : قلت نعم . فأرسل إليهم فجاءوا . وقام رسول الله ( ص) بين البابين فوضع كفه على الباب ، ومد يده ، فوضعت ذقني على يده وجعلوا يلعبون وأنا أنظر إليهم ، وجعل رسول الله ( ص ) : يقول حسبك ؟ وأقول : اسكت. مرتين أو ثلاثا . ثم قال : يا عائشة ! حسبك ؟ فقلت : نعم ، فأشار إليهم فانصرفوا فقال (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا و ألطفهم بأهله ) رواه الترمذي والنسائي.

      وأكبر اضطهاد تعاني منه المرأة في المجتمع الإسلامي هو تزويجها بالقوة ودون اخذ رأيها في حين أن الشريعة الإسلامية قد حثت على اخذ رأيها إذ قال (ص) ( الثيب أحق بنفسها من وليها ، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها). أي (سكوتها عند أخذ رأيها) .   وعن ابن عباس (رض) ( أن جارية بكرا ، أتت رسول الله (ص) فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي) أي بين البقاء مع الزوج أو حل عقدة النكاح تلك.  وروى ابن ماجه ( أن فتاة جاءت إلى النبي (ص) فقالت:إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته. قال:فجعل الأمر إليها؛ فقالت : قد أجزت ما صنع أبي ، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء ).

      أما التعسف ضد الزوجة في المجتمع الإسلامي فله أشكال كثيرة، وتشمل الاعتداء النفسي والإذلال وإشعار الزوجة بالدونية أو الشتم والتحقير ،  وفي أحيان كثيرة يتم تهديدها بنزع الأطفال منها أو الطلاق أو التزوج عليها لإذلالها، أو منعها من زيارة أهلها وأصدقائها أو الاعتداء الجنسي  كإكراهها على ممارسة أفعال جنسية ضد رغبتها أو قد يكون العنف اقتصاديا وذلك بعدم النفقة عليها بما يرضي ومنعها من العمل أو التصرف براتبها أو الاستيلاء على ممتلكاتها وحرمانها من الميراث أو ارتكاب الجريمة بحقها تحت ذريعة ما يسمى بجرائم الشرف.

والذي يدعوا إلى السخرية هنا أن أكثر هذه الأعمال المشينة تستغل تحت ذريعة (الرجال قوامون على النساء) وكثير من الرجال ممن لا يلتزم بالشريعة أصلا تجده حين يتحدث إلى زوجته مهددا إياها أن الشريعة قد أعطته الحق بالتعددية الزوجية ، وهذا الشيء إنما ناجم من استغلال سيء للشريعة كذريعة لتحقيق المآرب الشخصية .

     وتعتبر ظاهرة ضرب الزوجات إحدى أكثر ظواهر العنف الأسري تفشيا في مختلف المجتمعات ، إلا إن البعض يصر على ربطها بالمجتمعات الإسلامية باعتبار أن الدين الإسلامي يبيح ضرب الزوجة حسب تفسير البعض لقوله تعالى  (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ).  وهنا نقول أن هذا هو قمة الفهم الخاطئ للدين  فلفظ النشوز لم يأتي أمام المرأة فقط بل أن إعراض الرجل وسوء معاملته لزوجته يسمى نشوزا أيضا كما قال تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ...).

     وان كان الضرب قد ورد في الآية الكريمة كوسيلة لتصحيح بعض أفعال الزوجة الخاطئة وحملها على القيام بواجباتها الزوجية كأخر وسيلة للحفاظ على الأسرة ومنع الميثاق الغليظ من التهاوي ، فإن الأسلوب ذاته متبع مع الرجل الناشز الذي لا يقوم بواجباته ومسؤولياته الزوجية وبهذا تكون المسألة متساوية . 

     إن الأمام مالك (رض) ليقرر بأن المرأة إذا شكت نشوزا من زوجها وإعراضا عنها لها أن ترفع الأمر إلى القاضي : فالقاضي يعظه،  فإن اتعظ انتهى الأمر فإن لم يجد الوعظ أمر لها بالنفقة ومنعها من ( الطاعة ) ! .. وأجاز لها أن تهجره وألا تذهب إلى بيته، فإن أجداه هذا انتهى الأمر، وإن لم يجده عزره بالضرب . فإن لم يجد هذا كان التفريق كما قال العزيز الجليل    ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ). وهذه الحقوق التي قررها الإمام مالك هي في نظير الحقوق المذكورة في القرآن للرجل وهي قوله (فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ) . بيد أن هناك خلافا وذلك أن الضرب الذي أجازه القرآن للرجل هو ضرب المودة  وهو الضرب غير المبرح وغير المشين ، لا يلطمها على وجهها ولا يشين بشيء من جسدها ولا يستخدم القوة المفرطة كما يفعل بعض الرجال العاجزين بضرب نسائهم وكأنهم يضربون رجالا أشداء ، أما الضرب الذي يأمر به القاضي تجاه الرجل فضرب بالعصا ! .. أي أن الضرب الذي ينزل بالزوج لا مانع من أن يكون مبرحا .

     ونحن لو توغلنا بعمق في مسألة ضرب الزوجة وقسناها من خلالها السيرة النبوية المطهرة،   لقلنا إن الزنا هو اكبر جريمة من الزوجة تجاه زوجها والأسرة والفراش الزوجي الطاهر ، ولو نظرنا إلى السيرة النبوية في واقعة الأفك وما حصل من اتهام لأحدى زوجاته الطاهرات وكيفية تصرفه (ص) فيها لاستطعنا أن نقول أن الضرب ليس من الشريعة في شيء فلو كان الضرب شرعيا لاستخدمه الرسول (ص) ،  تقول سيدتنا عائشة (رض)مخبرة إيانا عن كيفية تصرفه (ص) بعد أن تم اتهامها بالإفك : ثم دخل علي رسول الله ( ص ) وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار , وأنا أبكي وهي تبكي فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله ، إن كنت قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله ، فإن الله يقبل التوبة من عباده) . تقول فلما لم أرى أبوي يتكلمان قلت لهما ألا تجيبان رسول الله ( ص ) ؟ فقالا : والله ما ندري بما نجيب . فقلت سأقول كما قال أبو يوسف ( فصبر جميل و الله المستعان على ما تصفون ) .

وهنا نتسائل هل كان هناك مركزا اجتماعيا لرجل اكبر من المركز الاجتماعي الذي ملكه رسول الله ( ص ) وقد اتهمت زوجته وهو الحاكم الذي لا يجادل في أحكامه لقول الباريء عز وجل  (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا).

     لقد كان الضرب أو حكم الرجم من ابسط الأمور التي لو أراد ( ص ) لنفذها ولكنه خاطبها بقوله ( إن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله ، فإن الله يقبل التوبة من عباده ) . الم يكن يعلم بوجود الآية في سورة النساء أم هل هناك من احد أعلى مرتبتا منه في الحكم إذا ما أراد إن ينفذ حكما ما .  إن ضرب الزوجة إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف شخصية الرجل وقلة خبرته في الحياة وليس من الشرع شيء ولو كان الضرب شرعيا لنفذه الرسول الكريم (ص) عملا منه بالآية المذكورة.

     إن الشريعة لم تعط أحدا صلاحية القضاء والحكم والتنفيذ بل حتى ولو ثبتت جريمة الخيانة من الزوجة فإن الشرع لم يخول الزوج أي صلاحية سوى صلاحية الاتهام ومن ثم الملاعنة وسبب نزول آية الملاعنة واضح كما ورد في كتب السيرة حيث قيل: لما نزلت (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )،  قال سعد بن عباده وهو سيد الأنصار : والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من الله ولكني تعجبت أني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أنحيه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء ، فو الله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته . قال : فما لبثو إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينه وسمع بأذنه ، فلم يهيجه حتى أصبح ، فغدا إلى رسول الله (ص) وقال له : إني جئت أهلي فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني ، فكره رسول الله ( ص) ما جاء به وأشتد عليه، واجتمعت الأنصار فقالوا : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة ، الآن يضرب رسول الله (ص) هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس فقال هلال : والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا ، فوالله إن رسول الله (ص ) يريد أن يأمر بضربه فأنزل الله الوحي   ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ *وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ).  فأمسكوا عنه .

     وحكم الملاعنة هذا إنما جاء لدرء مفسدة أكبر وهي  أن يأتي أحدا برجل غريب أو عامل عابر فيقتله ويقتل زوجته متهما إياهم بالزنا ،وحتى في ما يسمى بجرائم الشرف لم يخول الشرع الرجل بقتل المرأة وذلك درءا للمفسدة فقد يقوم أخ بقتل أخته ليتخلص منها حتى لا تشاركه الميراث، ونحن في كلامنا هذا لا نشجع على المفاسد ولكن نقول أن الإسلام كما اوجد الزواج فقد اوجد الطلاق لحل عقدة النكاح وإنهاء الحياة الزوجية المتأزمة التي لا حل لها فقال الملك الخبير (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ).كما وأعطى حق القصاص بيد الحاكم إن نفذ الحدود فنعما هي وان لم ينفذها فهو المسئول أمام الله جل وعلا.

     إن حقوق المرأة في الإسلام أكبر من أن تجمع في وريقات كهذه، واني لأتساءل إن كانت الشريعة السمحاء أعطت المرأة المسلمة هذه المنزلة المحترمة قبل 14 قرنا من الآن فهل من الصحيح أن تعامل في هذا الزمان مثل معاملة الجواري قبل الإسلام في حين أن مثيلاتها في الحضارات الأخرى بلغن منازل رفيعة؟ أليس من الواجب إعطائها حقوقها الشرعية ومعاملتها معاملتا حسنتا حسب مقتضيات العصر الحديث لتكون أفضل من مثيلاتها؟.

وختاما نسال الله التوفيق وله الحمد في الأولى والآخرة.

 

تعليقات