الممارسات الاجتماعية الضارة بمكانة المرأة فى الإسلام
التاريخ : 09/07/2014
الكاتب : الدكتور/ أبوبكر دكورى


بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
( الممارسات الاجتماعية الضارة بمكانة المرأة فى الإسلام )


بسم الله والحمد لله الذي هدانا للإسلام ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا، والصلاة والسلام عـلـى مـن بـعـثـه الله رحـمة للعالمين وهداية للخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد ، وعـلـى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 إخوة الإسلام أحييكم جميعا بتحية الإسلام الخالدة وأقول : السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
 إخواني إن مقالتي عــن حقوق المرأة في الفقه الإسلامي، موضوع لا يـمكن معالجته في محاضرة واحدة ولا في درس واحــد، وخاصة في هذا الزمن، حيث كثر الحديث عــن المرأة وعــن حقوقها في المجتمع، وكونت جمعيات وأصدرت الصحف والمجلات للمطالبة بمساواتــها الكاملة مـــع الرجل، وكثيرا مــــا يظلمون الإسلام في مؤتمراتهم وفيما يكتبون في صحفهم، حيث يتهمونـه بـظلم المرأة ووضعها في رتبة أقل من الرجل، وأنه العقبة الكعداء أمام تحرير المرأة وإنصافها في المجتمع.
 وبـعض المتحمسين للدفــاع عــن الإسلام يـجهدون أنفسهم في محاولة إثبات أن الإسلام سوى بين الرجل والمرأة في كل شيء. والفريقان مخطئان، الذي يتهم الإسلام بـظلم المرأة إمّـا أنـه جاهل لا يعرف شيئا عن الإسلام وحقيقته، وإمّــا أنــه عدو حــاسد يــرى الحق ثم يتعمد إخفاءه ابتغاء الفتنة والفساد في المجتمع ، وكــذلك الذي يــقول إن الإسلام سوى بين المرأة والرجل في كل شيء مخطئ ، لأن هناك جوانب اتفاق بين الجنسين ، وهناك مزايا وخصائص يتفرد بها كل جنس دون الآخر، بل يستحيل التسوية بين أفراد الجنس الواحد في كل شيء لاختلاف الخصائص والمواهب من شخص لآخر.
  إذن فالعلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام لا تقوم على التفاضل أو التساوي وإنما التكامل – ونستطيع أن نؤكد بأن الإسلام هو أول نظام عالمي أنصف المرأة وأعطاها كل حقوقها في المجتمع، يقول أحد علماء النصارى الغربيين وهو ادوارمونتى (إن إصلاحات محمد قد حققت تقدمات ذات أبعاد غير متناهية، وذلك لدرجة تجعل محمدا في عداد أكبر العظماء الخادمين للإنسانية، وأن إصلاحا واحدا قام به محمد وهو تحريم قتل البنات حين ولادتهن يكفى لأن يعطى محمدا اسما غير منسي في التاريخ ).
 

 والذي قـال هـذا الكلام ليس مسلما ولا عربيا ولم يمنعه ذلك من قول الحق – ولا يتسع المجال هنــا لنذكر مـا كـان يـعانى منه المرأة من مختلف أنــواع الظلم والاضطهاد لــدى جميع الشعوب قبل مجيء الإسلام، حيث كان بعض علماء الديانات الأخرى يتساءلون ويتجادلون هـــل المرأة مخلوقة مــن نفس عنصر الرجل؟ أم أنــها مخلوقة مــن عنصر شيطاني أو من عنصر نجس.
  فهنـا يأتي الإسلام ليعلن بصراحة بأن المرأة كالرجل في حقيقة التكوين ال
إنساني فهي من نفس الرجل لم تــخلق مــن مــادة أخـــرى أقـــل أو أحــط مــن المــادة التي خلق منهــا. وفــى ذلك يــقول الله تـعالى : (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء)«1»
  وإنــما نكتفي بذكر حالتها في الأمة العربية، كيف كان العرب يعاملون المرأة قبل مجيء الإسلام؟ إذ  كان كثير منهم لا يرحب بميلاد الأنثى ويحزنه ذلك كل الحزن وذلك للأسباب التالية:
1-   أن المرأة كثيرا ما تأتى بأعمال تسبب العار لأهلها ولأسرتها.
2-   ضعف بنية المرأة في الشدائـد، بحيث لا تستطيع أن تقاتل وتدافع عن القبيلة أو تثأر لها، والحروب كانت لا تهدأ بين القبائل، وربما وقعت المرأة أسيرة في يد العدو، ولا يخفى ما في ذلك من العار على كــل القبيلة، لــذلك كـــان أحــدهم يــحزن كثيرا إذا ولــدت لــه أنثى وفــى ذلك يــقول الله تــعالـــى :
 ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّا وهو كظيم، يتوارى مع القوم مـن سوء مــا بشربه، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون )«2» وقال تعالى في آية أخرى في إعلان مسؤولية الرجل عن وأد البنـات وهــى حية :( وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت )«3» وقال مــرة أخــرى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نـحن نــرزقهم وإيّاكم)«4» وقال أيضا ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم)«5»  سورة الأنعام .
وكـانت العرب لا تورث  النساء من أبناء الميت، فشرع الإسلام توريث المرأة وبين حقوقها في الإرث، سواء كانت زوجة أو أما أو أختا. وفى ذلك يقول تعالى ( للرجال نصيب مما ترك الـوالـدان والأقربــون وللنساء نصيب مما تــرك الــوالــدان والأقـربـون مما قل أو كثر نصيبا مفروضا)«6»
  وكـانت العرب تــرث النساء كــرها وذلك بـأن يجيء الوارث ويلقى ثــوبــه على زوجة مورثه ثم يقول ورثتها كما ورثت مــاله فيكون أحق بــها من نفسها، فإن شاء تزوجها أ زوجها من شاء وأخذ مهرها لنفسه، أو حــرم عليها الزواج طمعا في أن تـفدى نفسها بـمال أو تموت فيرثها، فجاء الإسلام محرما لذلك.
  كما كانوا يجبرون النساء من الزواج بمن لا ترغب فيه. وتــعرفون أن هذا أصعب شيء على نفس المرأة فحرم الإسلام ذلك  يقول الرسول (ص) (لا تزوج البنت حتى تستأمر ولا تزوج البكر حتى تستأذن وإذنها صماتها ).«7»
------------------------------
(1)      سورة النساء الآية 1
(2)      سورة النحل الآية 59
(3)      سورة التكوير الآية 9
(4)      سورة الإسراء الآية 31
(5)      سورة الأنعام الآية 140
(6)      سورة النساء الآية 7
(7)      أخرجه الإمام مسلم

 
  
 ويصبح العقد باطلا إذا أعلنت صراحة أنها غير موافقة عليه.
  ونستطيع أن نــؤكد أن المرأة مظلومة لا في الجاهليات القديمة  فقط، بـل وحتى في هذا العصر في ظل الجـاهليـات الحديثة التي تــملأّّّّ  الأرض صراخــا بــأنها أنصفت المرأة  وأعطتها كامل حقوقها وساوتها بالرجل، لأنــها لم تساعد المرأة في صون كرامتها، حيث لم تضمن لها معيلا أو معينا يجب عليه الإنفاق عليها –كما ألــزم الإسلام- فــوجب عليها أن تــخرج إلى الشوارع لتعمل بيدها وتنفق على نفسها، فكان لــزامـا عليها أن  تزاحم الرجال في المعامل وفى المطاعم وفى وسائل النقل، وأي نوع من الرجال؟ رجال في غالبيتهم من الغوغاء ومــن السكارى ومدمني المخدرات، ليس عندهـــم وازع ديني أو تربية خلقية، فـلا يــكاد يــمر عليها وقت إلاّ ووجدت مــن هؤلاء مـــن يعتدي عليها بإهانة أو تحرش أو اغتصاب أو حتى اغتيال في بعض المرات. والذي يــزور بــعض الدول المتقدمة يـرى ويسمع في وسائل الإعلام أحداثا مؤلمة مــن هـذا النوع يوميا يتعرض لها النساء – كمــا يــرى فيها كيف تستخدم المرأة كأداة لترويــج السلع والبضائع كما هــو الحال في عــــارضات الأزياء ومضيفات في الشركــات والمطاعــم والمقاهي والطائـــرات الخ..... وتلصق صورهـا وهـــى شبه عارية في ملحقات الجدران والحافلات لترويــج مختلف أنــواع السلع والأفـــلام الإباحية المنافية لكل القيم والأخلاق. ومــع كل هـذا فهي محرومة في كثير من المؤسسات من حق الراتب المناسب أو المساوي لراتب الرجل مهما كان عملها كثيرا أو شاقا- فهل في كل هذا إنصاف المرأة وضمان حقوقها الاساسية لها في المجتمع ؟ طبعا لا.
  إن الإسلام لــم يكتف بــرفع الظلم والضرر عـــن المرأة، وإنمــــا أكرمها وجعلها مساوية للرجل في الإنسانية يقول (ص): (إنما النساء شقائق الرجال)«1» وشق الشيء نصفه المكمل له، فالرجل والمرأة كل منهما يكمل الآخر في نظر الإسلام لا تتم حياته إلا  ّبه .
  وقــد جعلها الإسلام مكلفة كالرجل، ولها ثواب أعمالها الصالحة مثله تماما لقوله تعالى ( فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض) «2»  وقــــوله تـــعالى  في آيــــة أخرى:( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فألئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا)«3»
  فتبين إن مسؤولية المرأة الدينية مستقلة تماما عن مسؤولية الرجل، وأنــه لا فرق بينهما في التكاليف الشرعية والواجبات الدينية بخلاف ما عليه الحال في الديــانات الأخرى، وقــد بــلغ من تحقير بـعضهـا للمرأة أن حرمت عليها قراءة الكتب المقدسة باعتبار أنها لا دين لها أو أنها من الشيطان.
  كمـا أعطى الإسلام المرأة كــامل الحقوق المالية والاجتماعية حيث قــرر لها حــق التعلم وحــق العمل وكــذلك الاستقلال الاقتصادي، فلهــا حــق التملك وحــق إبرام الصفقات التجارية مــع مـن تشاء دون الرجوع إلى أب أو زوج أو أي إنسان آخر. وقد رأينا رسول الله (ص) يبالغ في رفع شأن المرأة ويجعل لها أولويــة الكرامـة والبر قبل الأب، حيث سأله سائل يا رسول الله: مــن أحــق الناس بحسن صحبتي؟ فقال أمك ، قــال ثم مـن؟ قال أمك ، قال ثم مـن؟ قال أمك، وفى الرابعة قــال ثـم أبــوك . وحتى في حالة الحرب بين المسلمين والكفار جعل الإسلام للمرأة المسلمة حق إعطاء الآمان لمن تريد من الكفار فــلا  يجوز التعرض له .
----------------------
(1)رواه أحمد وابوداود والترميذى عن عائشة، ورواه البزار عن انس .قال ابن قطان :
(هو من طريق  عائشة ضعيف ، ومن طريق انس صحيح .راجع كشف الخفاء ا- 214
(2)   سورة آل عمران الآية 195               (3)سورة النساء الآية 124 
 
 
 وقد جــــاء في فتح مكة أن أم هاني بنت أبى طالب أخت علىّ كرم الله وجهه أجارت رجلا من المشركين فأبى علىّ إلاّ أن يقتله فأسرعت إلى رسول الله (ص) فقالت يــا رسول الله زعم ابن أبى طالب أنه قاتــل رجلا قــد أجرته- وسمت الرجل- فقال رسول الله (ص) (قد أجرنا من أجرت يا أم هاني ).
 وهكذا نجد الإسلام قــد رفع المرأة إلــى القمم وجعل في يدها القرار حول أخطر القضايا المصيرية التي تتعلق بأمن الدولة وسلامة الأمة ، وهل هناك إكرام للمرأة أكثر من هذا؟.
  وقــد جعل الإسلام للمرأة حق قبول أو رفض من يأتي لطلب يدها ولا حق لوليها أن يجبرها على قبول مــن لا يــريـد- كما تقدم. ويكفينا أن رسولنا الكريم وقدوتنا محمد (ص) كان يخدم زوجاته ويقطع لهن اللحم بيده ويتسابق معهن في الجري، لتسليتهــن وإدخال السرور في نفوسهن ، وكان يستشير هن حتى في أهم الأمور المتعلقة بأمن الدولة كما حدث في صلح الحديبية ، وهـــل يمكن بــعد كل هــذا اتهام الإسلام بعد كل هذه الامتيازات للمرأة منذ ما يزيد على 14 قرنا بأنه ظلم المرأة. علما بأن أرقى المنظمات الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان لم تعط المرأة بعض حقوقها الأساسية إلاّ في السنوات الخمسين الأخيرة .
  وأخيرا يــجب أن تعلموا بــأن جميع ممارســات المسلمين التي فيهــا ظلم للمرأة وانتهاك حرمتها إنما مردهـــا إلى العادات والأهواء، ولا يتحمل الإسلام  بأي حال مسؤولية ذلك، لأنه يرفض هذه الممارسات ويدينها بقوة في كل نصوصه من الكتاب والسنة.
  ونكتفي بــهذا القدر لكى نعطيكم فرصة للسؤال عمــا يشغل بــالكم في موضوع المرأة في الإسلام، لأن الهدف ذكر بــعض الوقـــائـــع علــى سبيل التمثيل لا الحصر، لأن مـــن أراد أن يعطى هذا الموضوع حقه فإنه يحتاج إلى مئات المحاضرات.
  ونـحن الآن نريـد أن نستغل مــا تبقى مــن الوقت إما بإيراد بعض الشبه التي يثيرها أعداء الإسلام ويدّعون فيها بأن الإسلام ظلم المرأة ولم يسوها بالرجل فنبطلها ونبين زيفها .
  وإما بإتاحة الفرصة لكم بسؤال عن كل ما يعنّ لكم في هذا الموضوع.
  والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
 
                                                                                 د/ أبوبكر دكورى

تعليقات
الاسم:  
التعليق: